واشنطن تستطيع ملء الفراغ لمساعدتهم كممارسة إنسانية

يجب على أميركا إيجاد طرق لحماية المدنيين السوريين

صورة

في 26 سبتمبر الماضي، أصدرت لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس قانون قيصر، لحماية المدنيين السوريين. ورحبت وسائل الإعلام الغربية، والمعارضة السورية بهذا القانون، معتبرة أنه يشدد الخناق على الرئيس السوري بشار الأسد. والهدف القانوني منه - كما يظهر اسمه - هو تعزيز جهود الولايات المتحدة لحماية المدنيين في سورية. وإذا أرادت واشنطن توظيف قانون قيصر بصورة جدية لمساعدة المدنيين السوريين، وأن تظل ملتزمة باستقرار سورية وعملية إعادة بنائها، فيتعين عليها النظر إلى ما هو أبعد من تشريعات الكونغرس، إذ يجب على واشنطن أن تستخدم إجراءات غير تقليدية، وأن تركز على مناطق النفوذ التي تتمتع بها حالياً في سورية.

ما الذي يتطلبه القانون؟

تمت تسمية القانون باسم المصور السوري، الذي نقل أدلة بالصور على انتهاكات حقوق الإنسان ضد المدنيين، التي ترتكب في سجون النظام السوري. وتتمثل الفكرة الرئيسة للقانون في «وقف قتل المدنيين السوريين»، عن طريق فرض عقوبات على الحكومة السورية، والبنك المركزي.

وبالطبع.. فإن الطبيعة المباشرة للقانون واضحة، إذ إن الولايات المتحدة تفرض عقوبات ضد من يدعم القدرات العسكرية للنظام، وهي بصورة أساسية سورية نفسها وروسيا وإيران.

ويتخذ قانون قيصر خطوات استباقية على العديد من الجبهات، إذ إنه يشجع على مفاوضات التسوية لإنهاء حالة الحرب، ومحاسبة الأسد في محكمة الجزاء الدولية لارتكابه جرائم حرب، واعتبر حماية المدنيين المسؤولية الجوهرية للدولة السورية، وجميع الدول الداعمة لها.

إضافة إلى ذلك، تم تقليص قانون قيصر - بصورة كبيرة - عن نسخته الأصلية. وكان القانون يدعو في البداية إلى تقييم التأثير المحتمل لإنشاء منطقة يمنع فيها التحليق، وممر إنساني تديره الولايات المتحدة، وزيادة الدعم للمعارضة. لكنه أصبح الآن «التأثير المحتمل، والمخاطر والمتطلبات العملياتية للوسائل العسكرية وغير العسكرية لتعزيز حماية المدنيين داخل سورية، خصوصاً المدنيين العالقين في المناطق المحاصرة».

لماذا الإجراءات غير التقليدية؟

تقليدياً.. تقع مسؤولية حماية المدنيين على عاتق الدولة. وعندما تكون الحكومة غير قادرة أو غير مستعدة، يتم تخويل قوات الأمم المتحدة القيام بذلك. ومنذ ظهور الوثيقة التي تحتوي على نتائج القمة العالمية للحكومات عام 2005، بات المجتمع الدولي مطلوباً منه اتخاذ عمل جماعي من خلال مجلس الأمن الدولي، في الأوضاع التي تظهر فيها الدولة المعنية فشلها في حماية المدنيين. ولكن بعد تطبيقات مثيرة للجدل حول حماية المدنيين، والتي تنصل فيها المجتمع الدولي من مسؤولياته بشأن مسؤولية الحماية، وإعادة البناء بعد الصراعات في حالات مثل كوسوفو ودارفور، وليبيا، إذ فقدت المعايير الدولية المتعارف عليها صدقيتها.

وهناك 12 حالة فشل تصويت في محاولة مجلس الأمن لشجب أعمال العنف في سورية والدعوة لحماية المدنيين. وإضافة إلى ذلك كان هناك استخدام للقوة من جانب واحد، وحرب بالوكالة قامت بها كل من: واشنطن، وطهران، وموسكو، وأنقرة، داخل حدود الدولة السورية. وبناء على ذلك يطرح سؤال مهم مفاده: من المسؤول عن حماية المدنيين، عندما تكون المسارات التقليدية إما غير كافية أو غائبة أصلاً؟ تقترب احتمالات عملية جنيف التقليدية، التي تيسر حماية المدنيين في سورية، من أن تكون شبه مستحيلة. وبالنسبة للولايات المتحدة، التي يشكل وجودها تأثيراً مباشراً في المدنيين، يجب تحميلها قدراً من المسؤولية لحماية الذين يطلبون السلامة. وإذا كان الهدف النهائي لقانون قيصر فعلاً هو حماية المدنيين، فيتعين على الولايات المتحدة لعب دور نشط في حماية المدنيين في سورية، حتى في ظل غياب قرارات عن مجلس الأمن الدولي.

ولقيام الولايات المتحدة بهذا العمل، يتوجب عليها اتباع خيار استراتيجية غير تقليدية لحماية المدنيين. وهذا يتطلب مسؤولية غير ملزمة وأخلاقية من لاعبين ثانويين، مثل الدول والمنظمات الدولية والمجتمعات المدنية المحلية، لتنفيذ أنشطة حماية المدنيين. ويجب أن تكون هذه الأنشطة في أماكن عمليات تكون فيها الحكومة عاجزة أو غير مستعدة لحماية المدنيين، كما أن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي عاجزان عن القيام بعمليات حماية المدنيين، تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الامن.

يجب أن تتضمن حماية المدنيين غير التقليدية ما يلي:

بالنظر إلى أن حماية المدنيين غير التقليدية ليست متجذرة في السوابق المعيارية الدولية، فإن تطبيقها يعتمد على الدقة الشديدة، إذ يجب توضيح أي الشركاء قادرون على تسهيل الحماية وكيف ينبغي تنظيم الأنشطة وتنفيذها، بالنظر إلى موقف الولايات المتحدة في الصراع بصورة عامة. وفي الوقت ذاته، فإن الحماية غير التقليدية للمدنيين في سورية يجب ألا يتم توظيفها بطريقة تؤدي إلى ظهور سابقة للولايات المتحدة، وهي تدخلها بصورة أحادية، والتي يمكن استخدامها في حالات مستقبلية، وإنما للترويج لحماية المدنيين في حالات تكون فيها الدولة المضيفة أو الحلفاء الرئيسون متجاهلين الدعوة المتعارف عليها لحماية المدنيين. وينبغي أن تبدأ عملية حماية المدنيين بصورة فورية، وليس الانتظار حتى يتمكن النظام السوري من القضاء على المعارضة برمتها واستعادة جميع الأراضي السورية، لأنه بعد ذلك سيكون الوجود الأميركي غير شرعي، استناداً إلى القانون الدولي.

وفي الوقت الحالي تقود تركيا وروسيا عملية ثنائية لحماية المدنيين، وهي متكاملة مع عملية الاستقرار وإعادة البناء في سورية، لكن كلتاهما تركز أكثر على حماية المدنيين الموجودين في المناطق الخاضعة لها، وليس حماية المدنيين بصورة عامة. وتعمل روسيا على حماية المدنيين الذين يعيشون تحت سيطرة الحكومة والمتصالحين معها. في حين أن تركيا تقوم بحماية المدنيين الموجودين تحت سيطرتها. لذلك فإن كلتيهما عاجزة عن حماية المدنيين كممارسة عامة. وبناء عليه تستطيع واشنطن ملء الفراغ لحماية المدنيين كممارسة إنسانية.

دور أميركا لحماية المدنيين السوريين بأسلوب غير تقليدي:

قبل مناقشة كيفية قيام الولايات المتحدة بحماية السوريين، ينبغي على واشنطن أن تقيم بصورة دقيقة إمكاناتها لحماية المدنيين، وتحدد من هم المدنيون الذين تستطيع حمايتهم، والذين يمكن أن تدافع عنهم من خلال أطر دولية. أي يجب تقييم اعتبارين جغرافيين، هما: وجود الجيش الأميركي في شمال سورية، والقوات الموجودة في منطقة التنف على الحدود بين سورية والأردن.

أولاً: تحتفظ الولايات المتحدة بوجود عسكري بري في شمال شرق سورية، ونفوذ عملياتي عن طريق شركائها قوات سورية الديمقراطية. ويضم شمال شرق سورية الآن مئات الآلاف من السوريين النازحين من بيوتهم، الذين أجبروا على ترك منازلهم، خلال الحرب ضد تنظيم «داعش». وتستطيع الولايات المتحدة تقديم المساعدة لهؤلاء النازحين بسهولة، وإنشاء برنامج مساعدة دعم للمجتمع المدني في هذه المناطق. وبتحدٍّ أكبر فإن الولايات المتحدة وقوات سورية الديمقراطية تلعبان دوراً مفصلياً في تقديم الدعم للمدنيين السوريين، ضمن المناطق التي يسيطرون عليها.

وستستمر الولايات المتحدة في تقديم الدعم لقوات سورية الديمقراطية، حتى يتم التوصل إلى حل دبلوماسي على الأرض، وهزيمة «داعش» في شرق سورية، وخروج الميليشيات الإيرانية من سورية، والتوصل إلى تسوية في سورية. وتشكل قوات سورية الديمقراطية (قسد) أفضل خيار لإيجاد ظروف أمنية أفضل لـ190 ألف نازح سوري في المنطقة. لكن المشكلة أن التحالف بين واشنطن وقوات سورية الديمقراطية يغضب تركيا، التي تنظر إلى ميليشيا «يا بي جي» الكردية، التي تشارك في قوات سورية الديمقراطية، باعتبارها إرهابية.

ثانياً: تحتفظ الولايات المتحدة بوجود عسكري على طول المجموعات السورية المعارضة، في قاعدة التنف جنوب شرق سورية، على بعد بضعة كيلومترات عن مخيم الركبان غير الرسمي، الموجود على الحدود الأردنية. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تقدم الأمن لمخيم الركبان، فإنها استفادت من الشراكة مع ميليشيات أخرى لضمان أمن المخيم والمدنيين الذين يقطنون فيه. ولكن مخيم الركبان يظل موضوعاً حساساً بالنسبة للحكومة الأردنية، التي تعتبره تهديداً أمنياً، إثر موجة من الهجمات كانت أسوأها تلك التي أسفرت عن مقتل عدد من قوات الأمن الأردنية عام 2016.

وفي ظل وجود نحو 50 ألف سوري في مخيم الركبان، تقع مسؤولية حمايتهم وتقديم المساعدة لهم على عاتق الأردن، والأمم المتحدة، والفصائل السورية المعارضة والولايات المتحدة، بصورة غير مباشرة. ولكن المفاوضات الجارية بين روسيا والأردن حالياً، والتي تهدف إلى نقل سكان المخيم الى مناطق أخرى لاتزال مستمرة حتى الآن، دون التوصل إلى أي اتفاق. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لم تأخذ مسؤولية مباشرة لحماية مخيم الركبان، فإنه يتعين عليها أن تلعب دوراً مهماً في تزويدهم بالممر الآمن، وكذلك الخيار الآمن في الخروج الطوعي إلى مناطق خارج سيطرة النظام السوري، لمن يخشى انتقام الحكومة.

إن غياب حماية واسعة للمدنيين في سورية تمثل قلقاً كبيراً لسلامة هوية البلد، في مرحلة ما بعد الحرب. ويؤكد قانون قيصر التزام الولايات المتحدة بحماية المدنيين في سورية، لكن لا يجب استغلاله لتبرير القيام بتدخل واسع في سورية.

- الولايات المتحدة،  وقوات سورية  الديمقراطية، تلعبان  دوراً مفصلياً في  تقديم الدعم للمدنيين  السوريين، ضمن  المناطق التي  يسيطرون عليها.

- تمت تسمية القانون باسم المصور  السوري، الذي  نقل أدلة بالصور على  انتهاكات حقوق  الإنسان ضد المدنيين،  التي ترتكب في  سجون النظام  السوري.

- قانون قيصر يتخذ خطوات استباقية على العديد من الجبهات، لإنهاء حالة الحرب، ومحاسبة الأسد في محكمة الجزاء الدولية لارتكابه جرائم حرب، واعتبر حماية المدنيين المسؤولية الجوهرية للدولة

السورية، وجميع الدول الداعمة لها.

طباعة