شهدت النزاع الأكثر توثيقاً في التاريخ

سورية بحاجة إلى عدالة حقيقية وضمان عدم تكرار الانتهاكات

صورة

الأمور تتغير في سورية. لقد انتصرت الحكومة السورية في الحرب، وبدأ اللاجئون في العودة، وتم إنشاء لجنة دستورية لتحقيق السلام في البلاد. سورية آمنة. بعض هذه العبارات صحيحة، وبعضها مبالغ فيه، وبعضها الآخر قد لا يصبح حقيقة. ما تشترك فيه كل هذه العبارات، هو الرغبة في الإشارة إلى أن الحرب انتهت، وأنه يمكن الانتقال، أخيراً، من العنف المدمر والوحشي الذي شهده ملايين السوريين على مدى السنوات الثماني الماضية إلى حالة من الهدوء. وعلى الرغم من تراجع الأعمال القتالية، لم يتحقق سوى تقدم ضئيل للغاية في ما يتعلق بالأسباب الأساسية للصراع، وكثير منها يكمن في الانتهاكات الجماعية والمنهجية لحقوق الإنسان.

خلال العام الماضي، وثقت منظمات حقوق الإنسان كيف استعاد التحالف العسكري السوري الروسي المراكز السكانية، التي كانت تحت سيطرة القوات المناهضة للحكومة، في أعقاب هجمات شملت غارات جوية عشوائية وأسلحة محظورة. كان هناك جهد دبلوماسي وإنساني ضخم لحماية المدنيين ومنع النزوح الجماعي في إدلب، والذي ينبغي أن يظل أولوية فورية. والرقة، التي كانت مقر تنظيم «داعش»، تحاول التعافي من الآثار المدمرة لمعركة التحالف بقيادة الولايات المتحدة لاستعادتها.

انتهاك حقوق الإنسان

لكن كما ظهر هذا العام، فإن انتهاكات حقوق الإنسان في سورية لم تنتهِ بعد. تستمر الحكومة في استخدام القوانين والسياسات التي تصادر وتدمر بطريقة غير قانونية ممتلكات سكان المناطق المناهضة للحكومة، سابقاً. قامت «تحرير الشام» وهي فصيل مسلح يسيطر على إدلب، باعتقال وتعذيب عشرات الأشخاص للسيطرة على المنطقة. في حين لايزال مصير عشرات الآلاف من الأشخاص الذين تحتجزهم الحكومة السورية مجهولاً. وفشل التحالف الذي تقوده واشنطن وحلفاؤها على الأرض في إجراء تحقيقات كافية، وتعويض ضحايا الغارات الجوية غير القانونية والتعامل مع الآلاف من الأجانب الذين سافروا للانضمام أو العيش في ظل تنظيم «داعش» بطريقة تضمن المساءلة عن أي جرائم ارتكبت مع احترام حقوق الإجراءات القانونية للمشتبه فيهم.

مع وجود مبعوث جديد للأمم المتحدة في سورية، قريباً، ورغبة دولية قوية على ما يبدو لإنهاء الحرب، هناك ثلاثة عناصر أساسية لسورية ما بعد الحرب قابلة للتطبيق:

أولاً: التأكد من أن اللاجئين وسائر النازحين السوريين لديهم مسكن للعودة إليه. هناك ستة ملايين لاجئ سوري، وخمسة ملايين نازح داخلياً. يقول الكثيرون إنهم يريدون العودة إلى منازلهم لكنهم يخشون أن يجدوا ممتلكاتهم قد تم الاستيلاء عليها، أو هدمها، أو عدم السماح لهم بالدخول إليها. هذه المخاوف حقيقية، مع تمرير الحكومة السورية للقوانين وتنفيذ سياسات مناسبة بشكل غير قانوني، وتدمير هذه المساكن، أو تقييد الوصول إليها. كما قامت جهات فاعلة غير حكومية بمصادرة المنازل في المناطق التي يسيطرون عليها، لاسيما في عفرين، حيث سيطرت الجماعات المدعومة من تركيا على السلطة في مارس.

إن صانعي السياسة الأوروبيين في وضع جيد لإشراك الحكومة الروسية لضمان حماية المدنيين، الذين يختارون العودة، من الانتقام. وينبغي أن يصروا على أن تقوم الحكومة السورية بإنهاء عمليات التدمير غير القانونية للممتلكات والمصادرة، فضلاً عن القيود التعسفية المفروضة على الوصول إليها، وأنها تعوض بشكلٍ كافٍ المقيمين الذين دُمرت ممتلكاتهم بشكلٍ غير قانوني.

ثانياً: على الحكومة السورية والآخرين أن يكشفوا عما حدث للمختفين. وقامت الحكومة السورية وتنظيم «داعش» وغيره من الجماعات، بإخفاء أو احتجاز عشرات الآلاف من الأشخاص قسراً. إنه جرح مفتوح لأي مجتمع يحاول التقدم إلى الأمام، بينما تكافح الأسر للعثور على إجابات عن أحبائها. ويعيش مئات الأشخاص في خوف من أن تجدهم الدولة العنيفة، والأجهزة غير الحكومية، في يوم من الأيام.

وعلى الرغم من أن روسيا وتركيا وإيران قد أنشأت مجموعة عمل حول المعتقلين، كجزء من عملية أستانا، إلا أنه لم يتم إحراز أي تقدم يذكر. وإصدار شهادات الوفاة وإجراء تبادل محدود للسجناء لا يكفيان. يجب أن يسمح جميع أطراف النزاع للمراقبين الدوليين بالدخول إلى مرافق الاحتجاز، والإفراج عن جميع المسجونين بطريقة غير قانونية، والكشف عن مصير من اختفوا أو اختطفوا.

أخيراً، يجب أن يكون هناك تقدم بشأن العدالة. ويعتبر الصراع السوري من أكثر النزاعات توثيقاً في التاريخ، حيث تراوح جرائم الحرب من التعذيب والاعتقال المنتظم والواسع النطاق من قبل أجهزة الأمن السورية، إلى الحكومة التي تعيق وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين المحاصرين، والاستخدام العشوائي والمتواصل للأسلحة التقليدية والمحظورة من قبل التحالف العسكري السوري الروسي. ولايزال العديد من الآليات التي سمحت بحدوث هذه الجرائم سارية، بما في ذلك ما يحدث في مجال المساعدات الإنسانية والأمن والعدالة. وهناك خطر من أن بعض الجرائم ضد الإنسانية ستستمر بعد الصراع.

عقاب

العدالة لا تعني معاقبة المسؤولين عن الفظائع السابقة فحسب، بل أيضاً ضمان عدم تكرار هذه الانتهاكات. وينبغي على الدول والمانحين الذين يتطلعون إلى الانخراط في سورية، بالإضافة إلى المبعوث الخاص للأمم المتحدة وحلفاء الحكومة السورية، الإصرار على فحص وإصلاح جهاز الدولة السورية، لاسيما أنظمة الأمن والعدالة، لاحترام حقوق المواطنين السوريين. إذا كان النظام القضائي السوري غير قادر على تقديم محاكمات مستقلة وفعالة لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، فإن أنظمة العدالة في بقية العالم يجب أن تستعد لمقاضاة المجرمين.

لن يكون من السهل إنجاز أيٍّ من هذه المهام. لكن إذا كان الهدف هو رؤية سورية مسالمة ومزدهرة، فإن إنجازها ضروري.

سارة كيالي : باحثة وناشطة حقوقية

طباعة