نتيجة لأهمية الخبز مادة غذائية أساسية

القمح والدقيق أهم الأسلحة غير التقليدية في سورية

صورة

خلال خريف عام 2012 سيطر مقاتلو الجيش السوري الحر على شرق الغوطة، وهي منطقة شبه زراعية تبعد نحو ثمانية أميال إلى الشمال الشرقي من دمشق. وردّت القوات الحكومية على ذلك، عن طريق حصار المنطقة وقطع امدادات الماء والكهرباء والغاز، والمساعدات الطبية والخبز. وكان هدف النظام تجويع الناس في شرق الغوطة، حتى يتم إخضاعهم، وهو اسلوب ناجح، إذ إن سعر الخبز ارتفع 50 ضعفاً. وكان السكان المحليون يعيشون على أكل الحيوانات، وأحياناً لا يأكلون شيئاً على الإطلاق. وقال ماجد الديك، أحد عمال المساعدة في مجموعة «سبرنغ أوف لايف»، أي منبع الحياة الانسانية، إن النظام حاول تأجيج حرب ضد السكان حتى من خلال قوت يومهم.

صراع للسيطرة على سلسلة انتاج الخبز

ساءت الأمور بعد بدء الانتفاضة السورية في ربيع عام 2011. ومع تطور الحرب، حاول الجيش السوري الحر، والمجموعات المعارضة المسلحة الأخرى، الاستيلاء على أجزاء متنوعة من سلسلة انتاج الخبز، مثل مصانع الخميرة في شرق الغوطة، ومخبز تديره الحكومة في الزبداني، ومطحنة وصوامع الدقيق في منطقة المطاحن، اضافة إلى أمور أخرى. وفي معظم الحالات كان النظام قادراً على استرجاع ما تستولي عليه المعارضة.

 

وبعد مرور تسعة أشهر على ذلك، شرع الجيش السوري الحر في عملية عسكرية في منطقة يسيطر عليها النظام وتدعى المطاحن، وهي خارج الغوطة. وكان الهدف من وراء ذلك، الحصول على مطحنة للدقيق التي كانت محاطة بصفين من صوامع الدقيق، التي تحوي جزءاً من احتياطي الدقيق الحكومي الاستراتيجي، وهو سلاح محتمل في الصراع الدائر الآن في سورية، وذلك بعد أربع سنوات ونصف السنة، والتي نجم عنها مقتل نحو ربع مليون شخص.

 

واذا تمكنت المعارضة من الاستيلاء على المطحنة، يمكنها الحصول على الدقيق وكسر الحصار، وامتلاك نقطة استراتيجية على طريق المطار، وربما جمع بعض المال أيضاً.

واستمر القتال يوماً ونصف اليوم، وقبل نهاية المعركة في اليوم الثاني أرسل المقاتلون المناوئون للحكومة، رسالة عبر أجهزة اللاسلكي لعمال الاغاثة، الذين ينتظرون داخل الغوطة الشرقية تقول: «نحن نسيطر بصورة جزئية على المطحنة، تعالوا ساعدونا في الحصول على القمح». وقام الديك، اضافة إلى بعض المتطوعين الآخرين، بقيادة سياراتهم نحو المطحنة عن طريق شوارع خلفية لتجنب قناصي الحكومة. وعندما وصلوا إلى هناك فوجئوا أن هناك نحو 80 شخصاً، معظمهم من المدنيين، وسمع جميع سكان منطقة الغوطة الشرقية بأن الدقيق سيكون متوافراً، كما أن البعض كان في حالة يائسة للحصول على الدقيق، ولذلك فإنهم ركضوا وسط القصف واطلاق النار للحصول على بعض من الدقيق داخل منطقة التخزين. وحاول المحاربون ايقافهم، ولكنهم استمروا في هجومهم نحو الدقيق. وقال الديك: «ابلغونا أنهم كانوا جوعى، وانهم كانوا مستعدين للموت من أجل الحصول على الطعام».

ومن المعروف أن الخبز من المواد الغذائية الرئيسة في الشرق الأوسط، ويعتبر بالنسبة للكثيرين في المناطق الريفية الفقيرة المصدر الرئيس للبروتين. وقال عامل مساعدة من حلب رفض الكشف عن اسمه: «لا يمكنك تخيّل الحياة من دون الخبز».

وتفهم الحكومة السورية أهمية الخبز، وكذلك تنظيم «داعش»، اضافة إلى المجموعات المسلحة الأخرى التي تتنافس للسيطرة على المزيد من الأراضي وسكانها. ويعتبر الخبز بأهمية الوقود والماء. ويعتمد السكان المدنيون على السلطات التي تقوم بتوزيع الخبز. وقال محلل سوري: «عندما تسيطر على الخبز، فانك تسيطر على المجتمع برمته».

ولهذا فإن «داعش» والمنظمات الأخرى، لا تتنافس للسيطرة على الأرض فحسب، وإنما على الدقيق أيضاً. وتحدث المعارك في جميع نقاط سلسلة إنتاج الدقيق، بدءاً من بذر الدقيق في الحقول، وصولاً إلى مطاحن الدقيق، وحتى مصانع الخميرة والمخابز.

وفي الوقت الحالي يقع ثلث انتاج الدقيق في سورية، وربما أكثر، خارج سيطرة الدولة حسب ما ذكره موظفون في منظمة الزراعة والغذاء التابعة للأمم المتحدة (فاو). ويسيطر «داعش» على أكبر كمية من الدقيق خارج سيطرة الحكومة، بالنظر إلى أن منطقة شمال سورية، التي يسيطر عليها التنظيم، تنتج كميات كبيرة من القمح. ويفعل «داعش» الأمر ذاته في العراق، اذ قدرت «فاو» أنه سيطر على 40% من إنتاج القمح العام الماضي.

ويبيع «داعش» كميات من المخزون المتوافر لديه في سورية إلى تجار في العراق وتركيا، وحتى إلى الحكومة السورية، بأسعار مرتفعة حسب ما ذكره أشخاص لهم علاقة بإنتاج القمح والخبز. ونتيجة لذلك قدر برنامج الغذاء العالمي و«فاو» في شهر يوليو، ان نحو 10 ملايين سوري - أي ما يعادل نصف سكان الدولة تقريباً - «غير آمنين غذائياً»، الأمر الذي يعني أنهم ربما يتعرضون للجوع في أي يوم. ومن بين هؤلاء سبعة ملايين سوري بحاجة إلى مساعدة للبقاء على قيد الحياة. كما أن السوق السوداء الناجمة عن اقتصاد الحرب، والتي تقدم الغذاء للسوريين، تسيطر عليها المجموعات المتنافسة، التي ترفع الاسعار كيفما شاءت، حيث ارتفعت هذه الاسعار بنسبة 90% هذا العام للتربح من الجوعى والمعدمين.

وكان الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد وابنه بشار، يفهمان تماماً أهمية قوة الزراعة أكثر من غيرهم. وفي عام 1977 ترأس الاسد الأب افتتاح منظمة «ايكاردا للبحث العلمي» التي تروج لتطوير الزراعة. وخلال سنوات عدة قدم الاسد وابنه تمويلاً سخياً للمنظمة، التي عمل علماؤها على تطوير البذور التي سمحت لسورية ودول عدة أخرى، بانتاج ما يكفي من القمح لإطعام الشعب السوري. وحتى الان يتعين على المزارعين السوريين في المناطق التي يسيطر عليها النظام، شراء البذور والسماد والماء من الحكومة. ويضع الموظفون الحكوميون الأسعار، ويشترون من المزارعين محاصيلهم بعد الحصاد. ونظراً إلى أن الحكومة تسيطر على كل مراحل انتاج القمح، فإن المزارعين الذين يحاولون الخروج عن سيطرة الحكومة، تتم معاقبتهم بسهولة، اذ إن المزارع المتمرد يمكن أن يجد نفسه محظوراً عليه الحصول على القروض الحكومية، أو يمكن أن لا تشتري محصوله.

وكانت سورية منتجاً ناجحاً للقمح، لدرجة أنها أصبحت مصدراً له لأكثر من عقدين، على الرغم من أن دول المنطقة تستورد القمح الرخيص من الخارج. وحسب ما ذكره المدير العام لمنظمة «ايكاردا»، محمود الصلح، فإن زيادة انتاجية القمح في سورية، ادخلت الى الدولة نحو 350 مليون دولار. وكانت الدولة تحتفظ عادة بمخزون استراتيجي يساوي ثلاثة ملايين طن، وهو ما يكفي البلاد لمدة عام، في حال كان الموسم سيئاً أو ارتفعت الاسعار بصورة كبيرة.

ولكن هذه الانتاجية كان لها ثمنها، اذ إن انتاج هذه الكمية كلف القطاع الزراعي السوري، استنفاد المياه الجوفية في البلاد. ويتوقع الخبراء أن يؤدي ذلك إلى نقص كبير في المياه. وعندما ضربت أربع سنوات من الجفاف سورية، نجم عن ذلك تدمير 60% من الاراضي الزراعية في عام 2006، إذ انه تم استنفاد المياه الجوفية في الدولة.

وأدت هذه الأزمة الى اجبار نحو 1.5 مليون فلاح سوري على مغادرة أراضيهم، والهجرة إلى الضواحي والمدن مثل حلب ودرعا، وزادت نسبة البطالة، وبحلول بداية عام 2010 كان 80% من السكان في معظم المناطق التي تأثرت بشدة بالجفاف ونقص المياه، يعيشون على الخبز والشاي فقط.

طباعة