«مسار فلسطين التراثي».. نشطاء وسياح يمشون من الخليل إلى مشارف القدس

صورة

بين أشجار حرجية تطل على غابات مترامية يمينا ويسارا، وعبر طرق متعرجة صعودا ونزولا، وبجانب سهول خصبة، وأودية مياه عذبة، تنبع من بين الصخور والجبال، تسير مجموعات من النشطاء الفلسطينيين والسياح الأجانب مسافة (60) كيلو مترا من أقصى جنوب مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، إلى بلدة «بتير» في الريف الغربي لمدينة بيت لحم، الواقعة على بعد (8) كيلو مترا من مدينة القدس الشريف.

وما إن يصل النشطاء والسياح إلى بلدة بتير، يُسمع صوت خرير مياه تخرج من ينابيع عذبة داخل تجمعات صخرية جبلية، تسمى «عين البلد»، الواقعة وسط «بتير»، حيث تنبع من الجبال وتسري إلى الأسفل لتصب في بركة مغمورة في كهف، جزء منه مبني في الصخر والجزء الآخر بناه أهل البلدة في الماضي، لتصب قنوات المياه داخل ممرات المدرجات الزراعية، التي يعود تاريخها إلى ألفي عام.

فعلى مدار ساعات متواصلة، يتنقل عشرات النشطاء والسياح بين الجبال والأودية، والمدرجات الزراعية والمائية العذبة، والمواقع والمعالم التاريخية والأثرية، متحدين جميع أشكال المعاناة التي تواجههم بفعل القيود الإسرائيلية عبر الحواجز، وحدود المستوطنات التي تبتلع أراضي الفلسطينيين، إلى جانب بوابات جدار الفصل العنصري.

المسار الفلسطيني-
التنقل بين أركان الحضارة الكنعانية في «بتير»، يأتي ضمن «مسار فلسطين التراثي»، الذي يشرف عليه نشطاء فلسطينيون في الصفة الغربية، لمجابهة المخططات والمشاريع الاستيطانية في «بتير»، وقرى وبلدات الضفة الغربية ومدينة القدس الشريف، والحفاظ على المعالم الأثرية والمواقع التاريخية من النهب والاستيطان.

ويقول مدير «مسار فلسطين التراثي» جورج رشماوي لـ«الإمارات اليوم»، في حوار خاص،«إن المسار يتضمن التعريف بثقافة المجتمع الفلسطيني، والتنوع البيئي والطبيعي، وأيضا نقل تداعيات ممارسات الاحتلال والاستيطان على الأرض والسكان».

ويمضي رشماوي بالقول،«بفضل جولات مسار فلسطين التراثي يكون بمقدور المتجولون من محليين وأجانب مشاهدة طبيعة البلاد والأماكن الأثرية والبيئية عن قرب، حيث يتعرف المحليون على المشاهد والأماكن الطبيعية الجمالية، ويتعرف السياح الأجانب على المواقع الأثرية التاريخية، وواقع الفلسطينيين تحت الاحتلال».

وينطلق المسار التراثي، بحسب رشماوي، من بلدة صوريف أقصى جنوب الخليل، ويمر عبر ١٧ بلدة وتجمع سكاني فلسطيني في المدن الفلسطينية، وصولا إلى بلدة «بتير» غرب بيت لحم.

جولات لا تتوقف-
جولات المشي بين جنبات الطبيعة الخلابة والحضارة التاريخية في بتير الأثرية تتواصل بعد أخذ قسطا من الراحة، والاستضافة لتناول طعام الضفة الغربية التقليدي، داخل العديد من المنازل الفلسطينية المتجذرة في المكان.

تعود مجموعات النشطاء والسياح للتنقل من جديد، بين أشجار الرمان والزيتون وكروم العنب، وصولا إلى وادي «المخرور» الممتد من بلدة بيت جالا في بيت لحم، إلى «بتير»، والذي يعد وجهة سياحية لجذب السياح، حيث يزخر بالمشاهد الطبيعية من ينابيع المياه العذبة، والكهوف، والجبال، أما شمالا يطل على واد كانت تمر به أول سكة حديد في البلدة، والذي شهد أول رحلة قطار في العام 1895، إلى جانب احتضانه مدرجات زراعية، مزروعة بأشجار المشمش.

«سأروي لكم قصة فلسطين، لأجعلكم تحنوا إلى بلدي، وأراكم دائما تزوروها في كل مرة»، قبل التحرك لمباشرة مسار المشي، تخاطب المرشدة السياحية المجتمعية في مسار فلسطين التراثي آيات دردون المشاركين في مسار فلسطين التراثي من السياح والنشطاء الأجانب والفلسطينيين.

المرشدة السياحية دردون من سكان بلدة دورا في مدينة الخليل والتي تجوب القرى والبلدات الفلسطينية، لتقدم شرحا مفصلا للسياح والنشطاء عن تاريخ البلدات الفلسطينية، فيما تعرفهم عن قرب على معالمها الطبيعية والتاريخية.

وتقول دردون،«نحن نؤمن بشكل مطلق بضرورة الحفاظ على الهوية الفلسطينية لجميع البلدات والقرى الفلسطينية في شتى مناطق الضفة الغربية ومدينة القدس الشريف، فمن أجل إحياء تراثنا التاريخي نوثق التراث المادي وغير المادي ضمن جولات المشي في مسار فلسطين التراثي، بمشاركة مجموعات من النشطاء والسياح».

وتضيف،«ضمن جولات مسار المشي نشجع الاقتصاد المحلي لسكان القرى والبلدات الفلسطينية، حيث يتم زيارة مصانع المشغولات والمنتجات اليدوية، ومنها متاجر الصابون في المناطق التي تشتهر بصناعتها، أبرزها مدينتي الخليل ونابلس».

وتشير الناشطة السياحية المجتمعية إلى أن السياح والنشطاء يتنقلون ضمن جولات المسار التراثي بين المواقع الأثرية التاريخية مثل قصر المورق الذي يعود إلى حقبة الرومان، كما تزور المجموعات السياحية البيوت الفلسطينية الواقعة ضمن طريق المسار، حيث يستضيفهم أصحابها لتناول وجبات الطعام التقليدي، مثل المقلوبة والمسخن، وذلك بحسب المرشدة السياحية دردون.

وكانت بتير البالغة مساحتها العمرانية (420) دونما، ورغم محاصرتها من الشوارع الالتفافية والمواقع الاستيطانية التي تشوه طبيعتها الخلابة ومعالمها الأثرية، قد انتصرت على كافة ممارسات الاحتلال لمصادرة أراضيها وتهجير سكانها، بفضل اعتراف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونيسكو» بإرثها الطبيعي والإنساني، وتسجيلها على لائحة التراث العالمي في العام 2014.

وبعد ذلك، عادت «بتير» التي يسكنها سبعة آلاف نسمة لتحقق من جديد انتصارا مبهجا لفلسطين ومدنها، بتسجيلها أول مسار سياحي فلسطيني مسجل على قائمة السياحة العالمية، جاذبة بذلك الأنظار إليها مجددا، لتستضيف الآلاف من السياح الأجانب والفلسطينيين بين أحضان طبيعتها الخلابة، والمدرجات المائية والزراعية الأثرية.

طباعة