كيف تكتب كتاباً للأطفال؟
يجلس طفل إلى جوارك، ويفتح كتاباً. يتأمل وجهاً مرسوماً، ثم يسألك: «لماذا يبكي؟» وقبل أن تجيب، يقلِّب الصفحة. هنا تبدأ حكاية الكتاب الجيد: شيء يوقظ السؤال، ويغري اليد الصغيرة بمتابعة الرحلة.
في مجلة كلية الدراسات العليا للتربية بهارفارد، تروي إيلي بيركي كيف ألّفت كتاباً يعكس حياة أبناء المهاجرين. واجهت رفض الناشرين، وهذّبت قصتها، وأفسحت للصورة مكاناً، واختبرت النص مع الأطفال، حتى صار كتاباً. وتدعونا تجربتها إلى سؤال قريب: كيف نصنع كتاباً بالعربية يرغّب الطفل في العودة إليه؟
نبدأ بالإنصات. ماذا يخيف أطفالنا؟ وما الذي يضحكهم؟ وكيف يتحدثون عن المدرسة والغيرة والصداقة؟ قد تولد حكاية من حذاء ضائع، أو شجرة يوشك أحدهم أن يقطعها، أو طفل يخجل من الفجوات في أسنانه الأمامية. ومن هذه التفاصيل يتكوّن عالم يصدّقه القارئ الصغير.
ثم نختار عمر قارئنا؛ فكتاب يُقرأ لطفل في الرابعة يختلف عن كتاب يقرؤه وحده في التاسعة. ونمنح بطلنا رغبة واضحة وعقبة تعترضه، ونتركه يحاول ويخطئ ويكتشف. حين يحلّ الكبار كل مشكلة، لا يبقى للصغير داخل الحكاية ما يفعله.
أما اللغة، فنريدها عربية حيّة، واضحة من غير تعقيد وموسيقية من غير تكلّف. نستطيع أن نستمد دفأها من حكايات الجدّات، وإيقاع الأغاني، وأسماء الأشياء في بيوتنا وشوارعنا. ونختار التشكيل بحسب العمر ومستوى القراءة، ونختبر كل جملة بصوت مسموع. وحيث تتعثر أنفاس القارئ، تحتاج العبارة إلى مراجعة.
ولا تكتمل صناعة الكتاب بإنجاز النص. نطوي أوراقاً لنصنع نموذجاً، ونوزّع المشاهد، ونختار مواضع تقليب الصفحات. نفكّر في حركة القراءة من اليمين إلى اليسار، وفي حجم الخط والمسافات ووضوح الحروف. ونترك للرسّام مجالاً ليضيف: قد تخبر الكلمات عن شجاعة البطل، بينما تكشف الصورة ارتجاف يده.
ولنمنح أطفال الكتب العربية وجوهاً وبيوتاً وتجارب متنوعة: طفلاً في قرية، وآخر في مدينة، وطفلة تستخدم كرسياً متحركاً، وصديقاً وصل من بلد بعيد. لكل منهم رغباته ومشاكساته وأحلامه التي تستحق حكاية.
بعد ذلك نقرأ النموذج لأطفال من الفئة المقصودة، ونراقب انتباههم وأسئلتهم وصمتهم. نراجع، ونعرض النص على محرّر، ثم نبحث عن ناشر تناسب إصداراته مشروعنا، ونرسل وفق متطلباته. وقبل الطباعة، نفحص نسخة تجريبية: هل الألوان واضحة؟ وهل يسهل تقليب الصفحات؟ وهل الخط مريح للعين؟
قد نفرح حين نرى أسماءنا على الغلاف. لكن امتحان الكتاب يأتي حين نبلغ الصفحة الأخيرة، فيعيده الطفل إلى أيدينا ويقول: «اقرأه عليَّ مرة أخرى».
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.