الرياضة أخلاق

الرياضة ليست لياقة للجسد فقط، بل هي لياقة للعقل، وهي المدرسة الوحيدة التي تعلمك أن تخسر وتبتسم، وأن تفوز وتتواضع، وأن تمتلك القوة لتضرب، وتمتلك الحكمة لتمسك يدك، الرياضة في جوهرها ترويض للنفس قبل ترويض العضلات، تعلمك الانضباط حين تستيقظ فجراً للتمرين، وتعلمك الاستمتاع الحقيقي، وتعلمك الدرس الأصعب على الإطلاق: كيف تكظم غيظك وأنت في ذروة الغضب.

ما الذي يحدث في الملعب حين يخطئ الحكم؟ ألف إحساس يدعوك إلى الانفجار، لكنك تتعلم أن تحكم الغضب وأن تسيطر عليه، أن تحوله إلى تركيز إضافي في الهجمة القادمة، وهذه ليست مهارة رياضية، هذه مهارة للحياة كلها، فمن لا يتعلم كظم الغيظ في الملعب، لن يتعلمه في البيت ولا في الشارع ولا في العمل.

لقد حزنت لخبر وفاة لاعب إسباني شاب قبل أيام، ليس بسبب إصابة في الملعب، بل بسبب اشتباك عبثي تحوّل فيه التنافس إلى عداوة، شاب خرج ليمارس ما يحب، وعاد جثة، كيف وصلنا إلى هنا؟ متى تحوّل اللاعب من منافس إلى عدو؟ ومتى تحوّلت المدرجات من مكان للحماس إلى مصنع للكراهية؟

أفتح هاتفي فأرى شعوباً تتناحر رقمياً، ومشجعاً يسب أم لاعب لأنه أضاع ركلة جزاء، أرى لاعبين يتبادلون اللكمات، وأرى جماهير تحرق وتكسر لأنها خسرت مباراة، أي جنون هذا؟ هل سرقت منا الرياضة؟ أسرقوها وحولوها من متعة إلى وقود كراهية، من تنافس شريف ممتع نضحك فيه ونصفق للهدف الجميل حتى لو كان في مرمانا، إلى حرب كلامية، طائفية أحياناً، وعنصرية أحياناً، وعنف غير مبرر، الخطر ليس في الخسارة، الخطر أننا نربي جيلاً يظن أن الرجولة هي الصراخ في وجه الحكم، وأن الانتماء هو كراهية الفريق الآخر، وأن الفوز يبرر قلة الأدب.

علينا أن نعيد الرياضة إلى مكانها الصحيح. في البيت، علموا أبناءكم أن يفرحوا باللعب أكثر من فرحهم بالنتيجة. في المدرسة، كافئوا الطالب الخلوق كما تكافئون الهدّاف. في الإعلام، توقفوا عن تأجيج التعصب لأجل زيادة المشاهدات. وأنت أيها المشجع، تذكر: أنت ذاهب لتستمتع، لا لتنتقم.

الرياضة كانت وستبقى أخلاق، فإن ذهبت الأخلاق، فلا داعي للملاعب.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة