العنف الذي لا تُردعه البطاقات!

لم تعد كرة القدم تحتمل أن تبقى التدخلات العنيفة محصورة في إطار الخطأ الكروي الذي يُعالج ببطاقة حمراء أو عقوبة عابرة، فهناك فرق بين الالتحام الطبيعي والتدخل الشرس الذي يهدد سلامة اللاعبين، والعنف المتعمد الذي لا يمكن تبريره بأي حسابات تنافسية، ما يجعل إعادة الاعتبار لقيمة اللاعب وسلامته ضرورة تسبق أي نتيجة. ولا عجب أن الفاجعة التي هزّت الملاعب الإسبانية بوفاة اللاعب (دي ميغيل) عقب التدخل العنيف لحارس فريق أندورا، أعادت إلى الواجهة قضية تتجاوز حدود الحادثة ذاتها، وتضع المنظومة الكروية العالمية أمام مسؤولية لا تحتمل التأجيل، فالملاعب وُجدت لتكون مسرحاً للمتعة والإثارة، لا مكاناً يدفع فيه اللاعب حياته أو سلامته الجسدية، نتيجة لتهور أو لنزعة عدوانية تتوارى خلف شعار الحماس والقتال من أجل الفوز، لاسيما أن مفاهيم المستديرة تغيّرت ولم تعد مجرد هواية، بعدما أصبحت مهنة ومصدر رزق تقوم عليهما اعتبارات كثيرة، فإصابة واحدة قد تُكلف اللاعب سنوات من عطائه أو ربما تقضي على موهبة كانت تمتلك الكثير لتقدمه، فيما لا يمكن لأي تعويض أن يعيد إليه صحته أو مستقبله.

صحيح أن قوانين اللعبة تطوّرت لمواكبة التحولات الفنية والاستثمارية، لكن حماية اللاعبين تستحق أن تكون في مقدمة أولوياتها، وهو ما يُبرز دور ومسؤولية (الفيفا) في مراجعة اللوائح وتعديلها بما يميّز بوضوح بين الخطأ التنافسي والتدخل المتهور والاعتداء المتعمد، فكم من موهوب خسرته الملاعب بسبب تهور أو اندفاع لا مبرر له، خصوصاً أن الاكتفاء بالبطاقات والعقوبات التقليدية لم يعد كافياً، حيث بات مُهماً تجريم التدخلات العنيفة وردعها بالحرمان وإلزام المُندفع والمتهور بتعويض اللاعب المصاب عن أجره خلال فترة تعطلّه عن اللعب، إذ ليس من العدالة أن يخسر المصاب مكانه ومصدر رزقه، بينما يعود المُتسبب والمعتدي إلى الملاعب وكأن شيئاً لم يكن.

لذا، فإن لوائح الانضباط والعقوبات بحاجة إلى تعديل وتطوير، بما يضمن سلامة اللاعبين ويثبت أنها ليست أقل أهمية من مصالح اللعبة الأخرى، إذ لايزال هناك من يتهور ويخلط بين الشراسة والرجولة وبين التنافس وإيذاء الآخر، وكأن تلك الأقدام خُلقت لتدمير المواهب لا لمقارعتها. فقد نتفق أن البطاقة الحمراء تُعاقب اللاعب وتُخرجه من المباراة، لكنها لا تعيد للمصاب صحته ولا تعوّضه عن رزقه، ولا تُنقذ موهبة أُعدمت بسبب تهورٍ واندفاعٍ آثم!

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة