لا تُورِّث خصومتك
«كم مرة قلت لك لا تروحين عند بنت خالتك؟ سوّي لها بلوك، ما أريدها تعرف عنا أي شيء».
قد تسمع فتاة هذا الكلام من أمها، فتُخفي الرسائل التي كانت تفرح بها. لم تؤذها ابنة خالتها، ولم تختلفا على شيء. كل ما حدث أن الكبار اختلفوا، وصار عليها أن تختار: أتُرضي أمها أم تحتفظ بقريبتها؟
قد يولد الطفل وفي انتظاره خصومة لم يخترها، وأقارب يُمنع عليه أن يحبهم. يكبر وهو يعرف مَن ينبغي أن يكره، قبل أن يعرف مَن يكونون. ولكي يثبت ولاءه لوالديه، عليه أن يجفوَ أشخاصاً لم يؤذوه. والموجع أنهم ليسوا غرباء: هؤلاء أهله.
نختلف على مال أو كلمة، ثم نوزّع الغضب على البيوت. يصبح سلام الابن على عمّه خيانة، وفرح الابنة بابنة خالتها استفزازاً، ثم نستغرب ضعف صلة أبنائنا بأهلهم.
ويمتد الأمر إلى العمل والصداقات. قد يخاصم مسؤول موظفاً، فيجعل التعامل معه اختباراً للولاء. ويغضب صديقك من شخص، فإذا بقيت على علاقتك به، قال: «لو كنت صاحبي لما سلمت عليه». كأن سنوات العِشرة كلها تُختصر في مقاطعة شخص واحد. يا عزيزي، أنا صديقك، لكنني لست خصماً لكل من تختلف معه. أستطيع أن أسمع وجعك وأقف مع حقك، من دون أن أستعير غضبك.
من حقنا أن نحمي أبناءنا من الأذى، لكن خلافاتنا الشخصية ليست أذى ارتكبوه هم. ولا يمنحنا حب الآخرين لنا حق فرض خصوماتنا عليهم. نستطيع أن نقول لأبنائنا: «هذا خلافي معهم، ولا أحمّلكم إياه». وأن نترك لأصدقائنا حرية الحكم على الناس بما عرفوه منهم، لا بما غضبنا منه نحن.
الخصام يا سيدي يستهلك العمر. اصفح وسامح، واترك للصلح باباً، ففي التغافل كثير من حسن الخلق. ارفع السماعة وكلّم مَن زعلت منه، فقد تُنهي كلمة طيبة قطيعة سنين قبل أن يرثها أبناؤك.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.