تطوير البراعم.. نقل المبادئ أم استنساخ النماذج

في تطوير البراعم، البيئة جزء من المنهج نفسه. الطفل الذي نشأ في بيئة كانت كرة الشارع جزءاً من حياته اليومية، ويلعب ساعات إضافية خارج النادي، يختلف عن طفل تكون الأكاديمية المصدر شبه الوحيد لممارسته للكرة. كما تختلف المدرسة، والمناخ، والأسرة، وحجم قاعدة اللاعبين، وثقافة المنافسة، وفرص اللعب الحر.

المشكلة تبدأ عندما نرى نجاح نموذج في إسبانيا أو ألمانيا أو هولندا، ثم ننقل عدد الحصص، وأعمار المنافسات، وطريقة التدريب أو فلسفة الأكاديمية كما هي إلى بيئة خليجية مختلفة. هنا قد ننقل الشكل من دون أن ننقل أسباب النجاح، لأن النموذج لا يتكوّن من التمرين وحده، بل من حجم الممارسة، وعدد مرات لمس الكرة، ونوعية اللعب المصغر، ومساحة القرار المتاحة للطفل، ودور المدرب في التوجيه لا التحكم المستمر.

لدينا مثال محلي مهم في نادي الوصل، الذي امتلك في فترات سابقة منهجاً واضحاً في تعليم وتطوير اللاعبين، ونجاح تجربته دفع أندية محلية وعربية إلى الاستفادة منها، لكن الأكاديمية نفسها جربت لاحقاً نقل تجارب أوروبية لم تحقق النتائج نفسها، وهنا يبرز سؤال أوسع: كم نادٍ في الإمارات يطبق في مرحلة البراعم أفكاراً منقولة من الخارج من دون أن يختبر مدى ملاءمتها لبيئة الطفل لدينا؟

في إنجلترا، خلال الـFoundation Phase، وخصوصاً عمر 5-8 سنوات، تكون الأولوية لإتقان الكرة، وكثرة اللمسات، واللعب المصغر، والإبداع، والاستكشاف واتخاذ القرار. وحتى الجانب التكتيكي يبدأ من مواقف فردية وعلاقات بسيطة: متى يراوغ الطفل؟ ومتى يمرر؟ وكيف يخلق مساحة؟ وكيف يستجيب بعد فقدان الكرة؟ أي أن التكتيك موجود، لكن بمستوى يناسب قدرته على الإدراك واتخاذ القرار.

وهنا يأتي دور اتحاد الكرة. المطلوب ليس استنساخ نموذج أوروبي وتعميم تفاصيله على الأندية، بل بناء إطار وطني واضح لتطوير البراعم يحدد فلسفة المرحلة، ومبادئ التعلم، وأهداف كل فئة عمرية، ومعايير المتابعة، ثم يمنح الأندية مساحة لتصميم برامج تناسب بيئاتها.

السؤال الفني ليس: هل البرنامج أوروبي أم محلي؟ بل: هل يزيد وقت اللعب الفعلي؟ وهل يمنح الطفل قرارات أكثر؟ وهل يطور علاقته بالكرة؟ وهل يناسب خصائص المرحلة العمرية؟

تطوير البراعم لا يحتاج إلى نسخة من تجربة ناجحة، بل يحتاج فهماً للمبدأ ثم تصميماً يناسب الطفل والبيئة التي يتطور داخلها.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة