تحليل وجدل على منصات «التواصل»
ليس كل من امتلك حساباً على منصة للتواصل أصبح محللاً، ولا كل من أتقن إثارة الجدل امتلك معرفة تؤهله تفسير مواقف الدول.
في فضاء تتسارع فيه الكلمات، يخلط بعض الكتّاب والمغردين بين حرية التعبير وحق الإساءة، وبين التحليل الجاد والانطباع العابر، فتتحول قضايا معقدة إلى أحكام قاطعة، وتُختزل المواقف في عبارات تستهدف الاستفزاز وزرع الفتنة أكثر مما تسعى إلى الفهم.
إن الحد الأدنى من الإنصاف يقتضي الرجوع إلى المعلومات الموثوقة، والتمييز بين الخبر والرأي والتكهن وانعدام الأخلاق.
أمّا اقتطاع التصريحات من سياقها ونسبة النيات دون دليل، فلا يصنع تحليلاً، بل يكشف ضعف الحجة وغياب المسؤولية وتجاوزاً لحرية التعبير.
والحديث في الشأن العام ليس حكراً على فئة بعينها، لكن إبداء الرأي يختلف عن ادعاء الخبرة.. فمن يتناول السياسة أو الاقتصاد أو العلاقات الدولية مطالب بأن يدرك حدود معرفته، وأن يترك مساحة لاحتمال الخطأ، بدلاً من تقديم الظنون بوصفها حقائق نهائية، أو تصوير كل اختلاف باعتباره دليلاً على سوء القصد.
النقد الموضوعي يناقش القرار ويفحص المعلومة ويقدم الحجة ويقبل التصحيح. أما التجريح فيستبدل البرهان بالإهانة ويستدعي جمهور المنصة للمشاركة في الخصومة.
وبين المسارين فرق واضح: أحدهما يوسّع المعرفة، والآخر يوسّع دائرة الانفعال والخروج عن النص، فعلاقات الدول لا تُبنى على الاجتهادات الشخصية. وتزداد خطورة هذا السلوك عندما يستخدم صاحب الحساب حضوره لدفع الآخرين إلى ترديد اتهامات غير موثوقة، أو التعامل مع الشائعات باعتبارها حقائق.
الكلمة المنشورة لا تبقى ملك صاحبها، بل تصل إلى جمهور قد يعيد نشرها دون تحقق، فتتحول المغالطة الفردية إلى موجة يصعب احتواء آثارها.
ومع ذلك، فإن الدفاع الواعي لا يحتاج إلى محاكاة الإساءة؛ فقوته في دقة المعلومة، ورصانة اللغة، والثقة بالحجة، والقدرة على كشف التناقض دون تجريح. كما أن القارئ شريك في هذه المسؤولية بإمكانه أن يسأل عن المصدر وأن يتوقف قبل إعادة النشر، وألا يمنح المحتوى المسيء انتشاراً إضافياً بدافع الرد عليه. الكلمة تستحق من صاحبها ضميراً يسبق زر النشر فالاختلاف حق، والمعرفة واجب، والاحترام أساس كل حوار جاد.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.