حضور لا يلاحظه أحد

قد يحذف أحدهم رسالة كتبها في مجموعة عائلية، لا لأنه أخطأ، بل لأن الجميع واصلوا الحديث كأنه لم يقل شيئاً. وقد يبتلع موظف بقية فكرته، بعدما قاطعه زميل، ولم ينتبه أحد إلى أنه لم يكمل.

تبدو هذه مواقف عابرة لمن يشاهدها، لكنها قد تترك في صاحبها سؤالاً ثقيلاً:

هل لوجودي أهمية هنا؟

نحن نربط الاهتمام عادة بالمواقف الواضحة؛ زيارة المريض، ومواساة الحزين، والوقوف مع الصديق في أزمته. لكن العلاقات تضعف أحياناً قبل أن تبلغ أي أزمة، بسبب إهمال صغير يتكرر حتى يصبح مألوفاً. نتوقف عن السؤال، ونستعجل الأحاديث، ونفترض أن المقربين يعرفون مكانتهم، فلا نبذل ما يشعرهم بها.

في البيت، قد يعود ابنك متحمساً لمشاركتك موقفاً حصل له في مدرسته، فترد عليه وعيناك في الهاتف. بعد محاولات، سيختصر الحكاية، ثم يتوقف عن روايتها. وحين تشتكي لاحقاً من أنه لم يعد يتحدث معك، ربما تكون قد نسيت كم مرة تحدث ولم يجدك.

والأمر نفسه يحدث بين الأصدقاء؛ حين يصبح أحدهم مستمعاً دائماً، يعرف أخبار الجميع، ولا يتذكر أحد أن يسأله عن أخباره، أو أن يمنحه فرصة للحديث. قد يواصل الضحك والمشاركة، إلا أن شيئاً في داخله يبدأ بالانسحاب.

ليست المسألة أن نجامل الجميع، أو نفتعل الحماس لكل حديث. يكفي أن ننتبه إلى ما يقدمه الآخر من نفسه حين يتكلم، وأن نمنحه فرصة عادلة لأن يُسمع.

بعض الذين ابتعدوا عنا لم يغضبوا من كلمة قلناها، ولم ينتظروا اعتذاراً عن إساءة واضحة. لقد تعبوا من محاولات إثبات وجودهم، حتى صار الغياب أريح لهم من حضور لا يلاحظه أحد.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

 

الأكثر مشاركة