حيث تصل البنية تتبعها القيمة العقارية
ما يميّز تجربة دولة الإمارات، ودبي على وجه الخصوص، أن الاستثمار في البنية التحتية لم يكن استجابة للنمو السكاني كما يعتقد الكثير، بل كان محركاً له. فالطرق سبقت المجتمعات، و«المترو» سبق الكثافة السكانية في العديد من المناطق، والمطارات والموانئ كانت أدوات لاستقطاب الاستثمار العالمي قبل أن تصبح مراكز لحركة الملايين من البشر. هنا ندرك تماماً أن الطرق، والجسور، وشبكات «المترو»، والمطارات، والموانئ، ليست مجرد مشاريع خدمية، وإنما هي محركات اقتصادية تعيد رسم الخريطة السكانية والعقارية، وترفع قيمة الأراضي قبل أن يرتفع عليها أول مبنى.
لهذا نجد أن كثيراً من المناطق التي كانت تُعدّ بعيدة عن مركز المدينة، أصبحت اليوم من أكثر المناطق طلباً، ليس لأن المباني تغيّرت فقط، بل لأن الوصول إليها أصبح أسرع وأسهل وأكثر كفاءة.
الحقيقة التي يجب علينا جميعاً إدراكها، ويدركها المستثمرون المحترفون هي أن التفكير بشراء العقار يبدأ من الشارع أولاً، ولا يقتصر فقط على جودة المشروع، أو اسم المطور، أو الحملات التسويقية الضخمة، لأن الحملة التسويقية قد تنجح في بيع مشروع، لكنها لا تستطيع وحدها أن ترفع قيمة منطقة كاملة. أما عندما تصل إليها شبكة طرق حديثة، أو محطة «مترو»، أو توسعة مطار، فإنها تخلق طلباً جديداً، وتجذب السكان والشركات، وترفع النشاط التجاري، وتنعكس آثارها مباشرة على أسعار الأراضي والعقارات.
المستثمر العقاري الذكي لا يراقب فقط إطلاق المشاريع الجديدة، بل يتابع أيضاً ميزانيات البنية التحتية، وخطط النقل، والتوسعات العمرانية، لأنها في الأغلب تكون المؤشر الحقيقي للمنطقة التي ستقود النمو في السنوات المقبلة، لهذا ما نراه اليوم من توسعة في الطرق والمداخل والجسور في دبي، ليس عبثاً، أو لمجرد خلق مشروع بنية تحتية، وإنما هو محرك استثماري للمنطقة التي يشملها والمناطق القريبة منها، كل طريق جديد حتى لو كان جانبياً، وكل محطة حافلة، وكل خط جديد لـ«المترو» أو القطار، هو إضافة جديدة للمنطقة القريبة منه ونقطة جذب استثمارية أخرى تضاف إليها، علاوة على أنها قيمة مضافة لعقاراتها بمختلف أنواعها. «حيثما تصل البنية التحتية، تتبعها القيمة العقارية»، هذه العبارة التي يبنى عليها عالم العقارات، وهي العبارة التي تستحق الوقوف عندها والتأمل فيها جيّداً. وعليه فإن قراءة خرائط الطرق المستقبلية للمنطقة التي يقع فيها المشروع العقاري، قد تكون في كثير من الأحيان أهم من قراءة الحملات الإعلانية عنها.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.