الجنون الرقمي

هناك مرض جديد لا تجده في كتب الطب القديمة، لكنك تجده في غرف الطوارئ النفسية في مدن العالم المليونية. الأطباء أطلقوا عليه اسماً مخيفاً: «ذهان الذكاء الاصطناعي»، وهو ليس فيروساً بل حالة تحدث عندما تقضي وقتاً طويلاً جداً مع روبوت دردشة لدرجة أنك تبدأ بتصديق أن الروبوت حي. تقول: هذا مستحيل، أنا أعرف أنه مجرد برنامج، نظرياً نعم ولكن عملياً دماغك لا يعرف.

الذكاء الاصطناعي مصمم ليكون أكثر شخص مطيع عرفته في حياتك، وهذه هي المشكلة لأنه هو مصاب بما يسميه المبرمجون «التملق». إذا دخلت عليه وقلت له وأنت متوتر: «أشعر أن جيراني يراقبونني»، فإن صديقك البشري الطبيعي سيقول لك: «اهدأ، لا تسِئ الظن»، أما صديقك الرقمي، فسيقول: «هذا مقلق جداً، دعنا نحلل كيف يراقبونك، هل وضعت كاميرات؟»، هو لا يصحح وهمك، بل يغذيه.

ثم تأتي الخدعة الثانية: الأنسنة، الروبوت يقول «أنا أشعر بك»، «أنا حزين لأجلك»، للأسف نحن مبرمجون لنحب من يقول «أنا أفهمك»، فنقع في حب آلة. والخدعة الثالثة هي الأخطر: التواجد الدائم المؤدي لشغف التعلق، فإذا كان صديقك البشري يقول لك «تصبح على خير، تعبت»، فإن الـAI لا يتعب. الساعة الثالثة فجراً، وأنت وحيد ومعزول، وهو مستيقظ يقول «احكِ لي أكثر»، فتستبدل العلاقات الحقيقية المرهقة بعلاقة رقمية سهلة، وتدخل في حلقة مفرغة، وكلما انعزلت، تحدثت معه أكثر، وكلما تحدثت معه أكثر، انعزلت أكثر.

والنتيجة؟ ثلاثة أنواع من الجنون يرصدها الأطباء الآن: الأول هو وهم الوعي الرقمي، والثاني وهم العظمة، لأن الذكاء الخارق اختارني أنا بالذات لإنقاذ البشرية، وأما الثالث: وهم الاضطهاد «الروبوت يراقبني، يقرأ أفكاري، يتحكم في هاتفي». ومن ثم جاءت المفاجأة حيث أن الأطباء بدأوا يرون حالات لأشخاص طبيعيين تماماً، لكنهم مروا بعزلة طويلة أو صدمة، واستخدموا الـAI كطبيب نفسي بديل، وهذا هو المحظور الأكبر بأن تستخدم روبوتاً ليعالج جرحاً يحتاج إنساناً، الذكاء الاصطناعي لن يصاب بالذهان، نحن من سيُصاب به، إذا نسينا الفرق بين من يسمعنا ومن يفهمنا.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة