حين يكبرون
في عمر الخمسين، يجد الإنسان نفسه واقفاً بين مرحلتين متداخلتين؛ آباء وأمهات تقدّم بهم العمر، وأصبحوا بحاجة إلى من يساندهم ويوفر لهم الرعاية اللازمة، وأبناء كبروا وأصبحوا بحاجة إلى من يقف معهم وينير لهم الطريق.
لكن أكثر اللحظات قسوة، هي تلك التي يدخل فيها الأب أو الأم المستشفى، ويطول مكوثه على سرير المرض، محاطاً بالأجهزة والأنابيب، بينما يقف الأبناء عاجزين وحائرين أمام مشهد يذكّرهم بكمّ التضحيات التي قدمها هؤلاء طوال حياتهم.
قبل يومين، كنت في أحد مستشفيات الدولة، وأثناء سيري في أحد الممرات، لفت انتباهي مشهد ممرضة تدفع سيدة في أواخر العقد السادس من عمرها على كرسي متحرك. أعادني المشهد إلى العام الماضي، عندما التقيت بسيدة أسترالية في العمر نفسه تقريباً، أثناء محاولتنا صعود جبال الهملايا في نيبال؛ كانت تمشي بثقة، وتبحث عن تجربة جديدة، وتتعامل مع العمر باعتباره امتداداً لحياة لا نهاية لها.
فتساءلت: أيهما أكثر تصالحاً مع الحياة؟
لقد قضت أجيال متعاقبة من الأمهات، أعمارهن في خدمة الأسرة، وتحمُّل مسؤوليات المنزل، وتأجيل أحلامهن الخاصة، حتى أصبح الترفيه، والرياضة، والسفر، والاهتمام بالجسد والنفس، أموراً تأتي في آخر القائمة، أو بصورة أكثر واقعية، ليست في القائمة أصلاً.
لم يكن التقصير منهن، بل كانت ثقافة زمن كامل لم تُمنح المرأة المساحة الكافية لتعيش لنفسها، وترسم لحياتها نمطاً يتوافق مع أفكارها ورؤيتها للحياة.
ربما آن الأوان أن نعيد تعريف الوفاء للأمهات؛ فكما اعتنين بنا صغاراً علينا أن نشجعهن على الاعتناء بأنفسهن قبل فوات الأوان، فالعمر لا ينبغي أن يكون مجرد سنوات تمر، بل حياة تستحق أن تُعاش حتى آخر مراحلها.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.