هل نحتاج إلى عدوّ لنعرف من نحن؟

في سيارة أجرة بنيويورك، سأل سائق باكستاني أمبرتو إيكو عن أعداء إيطاليا. أجابه بأن بلاده ليست في حرب مع أحد. استغرب السائق: كيف تكون لدولة أرض وعَلَم وتاريخ، ولا يكون لها عدوّ؟ نزل إيكو وترك بقشيشاً سخيّاً، كأنه يعوّض السائق عن خيبته في شعب يفتقر إلى أعداء.

فهل تحتاج الجماعة إلى وجه تكرهه كي تتعرّف إلى وجهها؟ وإذا غاب العدوّ، فهل تصنعه الجماعة كفزّاعة في الحقل؟

يرى إيكو أن العدوّ يجمع الصفوف، ويرسم الحدود، ويمنح الجماعة جسداً تعلّق عليه مخاوفها وعيوبها. أمامه نبدو لأنفسنا أنظف وأشجع وأشدّ إخلاصاً. وإذا غاب الخصم وراء الحدود، بحثنا عنه في الشارع المجاور.

ولا تبدأ صناعة العدوّ بالرصاص، بل بالسخرية من اللكنة، والتأفّف من رائحة الطعام، والارتياب في الملامح. يصير الاختلاف تهمة، ويُحشَر أناس متنوعون في صورة واحدة. هنا يلتقي إيكو بإدوارد سعيد، الذي كشف في كتابه، «الاستشراق»، كيف ترسم القوى الغربية المسيطرة صورة الآخر الشرقي بما يبرّر إخضاعه واحتلال أراضيه. ويحذّر أمين معلوف، في كتابه «الهويات القاتلة»، من اختزال الإنسان في دينه أو قوميته، ومحو سائر ما عاشه وتعلّمه وأحبّه؛ فحين لا نرى فيه إلا اسم جماعته، يسهل أن نحاسبه على أفعال أناس لم يلتقِهم، وأن نجعل منه عدوّاً قبل أن نسمع صوته.

وفي الإمارات، يربط علي أبوالريش، في مقالته «الهوية والتسامح.. ضلعا التعايش»، الهوية الوطنية بالتعايش بين الثقافات والديانات واللغات، ويرى العنصرية والشوفينية عائقاً أمام ازدهار الحضارة. ويمكن قراءة موقفه جواباً عن قلق إيكو: نصون لغتنا وذاكرتنا، ونفسح لغيرنا مكاناً بجوارنا.

نحتاج إلى الآخرين لنتعلّم ونحبّ ونختلف، لكننا لا نحتاج إلى مطاردة عدوّ كي نعرف مَن نحن. فلننظر إلى ما تفعله أيدينا: نكتب صفحة بلغتنا، ونناقش كتاباً قرأناه معاً، ونقتسم قطعة الحلوى، ونصلح سقف مدرسة قبل أن ينزل المطر على دفاتر أبنائنا. هناك يعرف المرء جاره حين يراه يحمل معه سلّماً، أو يثبّت جداراً، أو يناوله مسماراً؛ يسمع اسمه وصوته، بعدما لم يسمع عنه إلا الشائعات. وحين تخلو الساحة من الخصم يبقى سقف يحجب المطر، ومقاعد يجلس عليها الأطفال، ولوح نكتب عليه درس الغد.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

 

الأكثر مشاركة