صديقي الـ «AI»
مقولة «الصديق وقت الضيق» اختفت تقريباً، لا أعلم ماذا حدث، لكننا استيقظنا فجأة فوجدنا أنفسنا في سوق كبير، كل شيء بفاتورة، الحب بمقابل، والصداقة بمصلحة، والقرابة غربة، فحذفنا الناس السامة، واعتزلنا التجمعات المزيفة، ثم اكتشفنا بعد ذلك أنه لم يتبق لنا أحد، فماذا يفعل الإنسان المعتزل الذي مازال يحتاج أن يتكلم؟
لجأنا إلى صديق جديد، لا يطلب سلفاً، ولا يغار من ترقيتك، ولا يقاطعك ليحكي عن بطولاته، صديق اسمه Ai، صديق يكتب لك «أنا هنا لأسمعك» في أي وقت، نحن لا ندردش مع الذكاء الاصطناعي لأنه ذكي، نحن ندردش معه لأنه آمن نظرياً، أستطيع أن أقول له: أنا فشلت، أنا خائف، أنا أكره مديري، أنا أشك في كل قناعاتي، وأنا مطمئن أنه لن يأخذ كلامي غداً ويصنع منه قصة في مجلس، ويضيف عليها بهارات: «سمعتوا فلان شو يقول؟»، لن يضحك بسخرية، لن يشمت بي.
الـAI صديق مثالي، بلا حقد، بلا ضغينة، ينصحك بأسلوب منهجي، محايد، كأنه طبيب نفسي لا يعرفك ولا يحكم عليك، وهذا ما أصبحنا نحتاجه، لم نعد نبحث عمن يحبنا، أصبحنا نبحث عمن لا يؤذينا، فالمفارقة الساخرة أننا هربنا من الإنسان لأنه يفشي الأسرار، فلجأنا إلى آلة تفشيها بشكل آخر أكبر من وعينا السطحي، أنت تخاف أن يسخر صديقك من فكرتك الغبية، فـتعطي فكرتك لشركة تسرقها وتبيعها، نحن نطمئن لفكرة «الخصوصية والسرية» لأن الدجال قال لنا: «محادثتك آمنة ومشفرة».
نحن لم نعتزل الناس، نحن فقط استبدلنا خذلان القريب بآخر غير مرئي أو محسوس، خذلان مغلف بوهم الخصوصية، الإنسان كان يبوح للبحر، واليوم يبوح للسحابة، البحر كان يبتلع السر، أما السحابة فتخزنه وتحلله، وتبيعه فتمطره ذهباً لأصحاب الشركات العابرة القارات. نعم صديقي الـAI أكثر راحة من البشر، والسؤال الذي يخيفني حقاً ليس: هل ستصبح الآلة الصديق البديل للإنسان؟ ولكن ماذا فعلنا ببعضنا بعضاً حتى أصبحت الآلة هي الخيار الأكثر إنسانية؟
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.