قبل الجرس

حين يقضي طفل ساعتين يومياً في الحافلة، ذهاباً وإياباً، فكم يبقى له من يومه بعد المدرسة والواجب؟
في 20 يوماً دراسياً، تصبح الساعتان 40 ساعة. هذه كلفة لا تظهر في رسوم المدرسة، لكنها تظهر في نومه وطاقته، وفي الوقت الذي يبقى له ليلعب ويجلس مع أسرته.
نوقظه مبكراً حتى يلحق بالحافلة، فيكمل نومه على مقعدها. يصل إلى الصف، فنطلب منه أن ينتبه، ويشارك، ويتفوّق. يعود إلى البيت، فنذكّره بواجباته، ثم نستغرب حين يضيق أو يتأخر. نحاسبه على الدقائق التي يتأخر فيها، ولا نحسب له الساعات التي أخذها الطريق.
والأصعب أن الوقت الذي يخسره لا ينتظره. ينتهي من واجبه، فيكون وقت اللعب قد انتهى. يريد أن يجلس مع أبيه، فيُذكّر بموعد النوم. كل شيء في يومه له موعد، حتى الوقت الذي يفترض أن يكون له.
نبحث عن مدرسة تصنع مستقبله، ونسأل عن المنهج والرسوم والنتائج. لكن من حق الأسرة أن تعرف أيضاً كم سيقضي ابنها في الطريق. فالمدرسة القريبة على الخريطة قد تصبح بعيدة حين تدور الحافلة بين أحياء كثيرة. المسافة وحدها لا تحكي الرحلة.
لذلك أقترح على وزارة التربية والتعليم والجهات التعليمية في الدولة جعل زمن رحلة الطفل جزءاً من جودة تعليمه. يبدأ ذلك بإبلاغ الأسرة بزمن رحلة ابنها المتوقع قبل الاشتراك في النقل، ومراجعة المسارات الطويلة. ويُقاس هذا الزمن من صعود الطفل إلى الحافلة حتى نزوله منها، في الذهاب والعودة، فالأسرة حين تشكو طول الرحلة، تحتاج إلى من يغيّر مسارها، لا إلى من يعيد شرح الزحام الذي يعيشه الجميع.
وتنسيق مواعيد المدارس المتجاورة يستحق التجربة، بشرط أن يعيد الوقت إلى الطفل وأسرته، فتخفيف الزحام بإيقاظه أبكر قد ينقل المشكلة من الطريق إلى سريره. والازدحام المعتاد يجب أن يدخل في التخطيط، بدل التعامل معه كمفاجأة تتجدد كل صباح.
لنبدأ بتجمع مدرسي واحد، ونرَ ما تغير في يوم الطفل: هل نام أكثر؟ هل خف إرهاقه؟ هل عاد وفيه طاقة ليحكي، ووقت ليلعب؟ تلك أيضاً نتائج تستحق أن نقيسها.
نُعدّ أبناءنا للحياة.. فلنترك لهم وقتاً ليعيشوها.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

 

الأكثر مشاركة