حين تسقط الهيبة وتعلو الضحكة

بين الإنسان الذي نريد أن يراه الناس، والإنسان الذي نعرفه خلف الأبواب، تنبت السخرية. وفي هذه المسافة يلتقي الإنجليزي «بي.جي. وودهاوس» والإماراتي أحمد أميري، وإن جاء كلٌّ منهما من عالم مختلف.

يبني «وودهاوس» عالماً من البيوت الريفية الإنجليزية والأثرياء المتفرّغين لمشكلاتهم الصغيرة. وفي قلبه يقف «بيرتي ووستر»، الشاب الميسور الذي تتشابك حوله الورطات، ويستنجد بخادمه جيفز لينقذه من الحرج. يمتلك السيد أسباب الوجاهة، ويمتلك الخادم حسن التصرّف؛ فتتمايل الهيبة الاجتماعية كلما احتاج صاحبها إلى مَن يفكّ عقدة صنعها بيديه.

أما أحمد أميري، فيقرّب المرآة من وجهه هو. ففي كتابه «الأكول» يجعل علاقته بالطعام، ونهمه، ومحاولاته المتكررة مع الحمية، مادةً للاعتراف الضاحك. وقد قال في حوار إنّ سيرة أي أكول هي للأسف سيرة بطنه. بذلك تنزل السيرة من منصة الإنجازات إلى المائدة، حيث تُختبر الإرادة أمام ما تشتهيه النفس.

وهنا تتجلّى القرابة بين الكاتبين: تضخيم الورطة الصغيرة حتى تحتلّ المشهد كله. عند وودهاوس يصبح المأزق الاجتماعي امتحاناً عسيراً لبيرتي؛ وعند أميري يغدو الصراع مع الشهية معركةً بين قرارٍ اتُّخذ بثقة ورغبةٍ تعرف كيف تنقضه. نستمتع بهذا التفاوت بين حجم الحدث وحجم الاضطراب الذي يثيره، لأننا نعرف كم مرة هزمتنا أمورٌ بدت تافهةً لغيرنا.

لكن صوت الراوي يكشف فرقاً مهمّاً. حين يروي بيرتي مغامراته، يستطيع القارئ أن يلمح حدود فهمه، وأن يرى ما يفوته. وتزيد لغة وودهاوس المرح بتشبيهات غير متوقّعة، وبقفزات بين التعبير الفخم والكلام العابر. أما أميري فيدخل إلى السخرية من باب المكاشفة: يعرض ضعفه، ويمنح القارئ فرصة التعرّف إلى ضعفه هو أيضاً. الأول يجعلنا نرى أكثر مما يرى بطله؛ والثاني يضحكنا ويضحك معنا.

نضحك حين تتعثّر الهيبة وينكشف الإنسان تحت ثياب الوقار؛ ثم تعلق الضحكة في حلوقنا لحظةً، إذ نكتشف أننا نحرس صورتنا بالجدّية نفسها، ونخبّئ وراءها ضعفاً يشبه ما أضحكنا في الآخرين. هنا تبلغ السخرية قوتها: تُنزلنا من المنصّة، وتضع أقدامنا على الأرض، وتدعونا إلى مواجهة أنفسنا من دون زينة. وحين نجرؤ على الضحك من غرورنا وهزائمنا الصغيرة، تخفّ وطأة الدفاع عن كمالٍ لم نملكه يوماً، ويتّسع صدرنا لضعف غيرنا. فالضحكة التي تبقى بعد انطواء الكتاب هي تلك التي نسمع فيها شيئاً من صوتنا، ونخرج منها أقلّ زهواً بأنفسنا، وأكثر رحمةً بالناس.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

 

الأكثر مشاركة