ليس كل اعتذار إصلاحاً

«آسف»، كلمة صغيرة، لكنها من أجمل الكلمات حين تخرج من قلبٍ صادق، ومن أصعبها حين تأتي بعد أن يكون الضرر قد وقع، والكرامة قد جُرحت، والثقة قد اهتزت. فالاعتذار فضيلة، لكنه ليس عصا سحرية تعيد كل شيء إلى ما كان عليه.

كم من كلمة قيلت في لحظة غضب، هدمت علاقة بُنيت في سنوات، ثم جاء الاعتذار متأخراً. وكم من اتهام أُلقي جزافاً، شوّه سمعة إنسان، ثم قيل بعد انكشاف الحقيقة: «نعتذر». وكم من قرار متسرع غيّر حياة شخص أو أسرة، ثم اكتفى صاحبه باعتذار ظن أنه يمحو كل ما سبقه.

والحقيقة أن الاعتذار لا يعيد الزمن إلى الوراء، ولا يمحو أثر كل جرح، ولا يعيد الثقة كاملة بمجرد النطق به. فالقلوب ليست أوراقاً نمزقها ثم نأتي بأخرى، وبعض الكسور وإن جبرت، يبقى أثرها شاهداً على ما حدث.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نقلل من قيمة الاعتذار، فهناك من يكابر رغم يقينه بالخطأ، وهناك من يرى أن الاعتذار انتقاص من مكانته، بينما الحقيقة أن الشجاعة ليست في الدفاع عن الخطأ، بل في الاعتراف به وتحمل مسؤوليته. فالاعتذار الصادق خلق نبيل، لكنه لا يكتمل إلا بمحاولة إصلاح ما أفسده الخطأ.

ولهذا، فإن أجمل اعتذار ليس الذي يُقال باللسان، وإنما الذي تثبته الأفعال. أن تعيد الحق إلى صاحبه، وأن تجبر الضرر إن استطعت، وأن تتعلم من الخطأ حتى لا يتكرر. فالكلمات قد تُرضي المشاعر، لكن التصرفات وحدها هي التي تعيد بناء الثقة.

لذلك، لا تجعل الاعتذار وسيلة لتخفيف شعورك بالذنب، بل اجعله بداية لتحمل مسؤوليتك. وقبل أن تجرح أحداً، تذكر أن بعض الكلمات لا يستطيع الاعتذار محوها، وبعض الخسائر لا تعوضها عبارة «لم أقصد».

ولعل أجمل اعتذار يمكن أن تقدمه للناس، ألا تجعلهم يحتاجون إلى سماعه منك أصلاً.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة