التحكيم الإلكتروني الذكي: هل تصنع الخوارزمية عدالةً حقيقية؟

*محامٍ

د. عبدالله آل ناصر

تخيّل نزاعاً تجارياً تُودع مستنداته إلكترونياً، وتُعقد جلساته عن بُعد، ويحلل الذكاء الاصطناعي آلاف الصفحات خلال دقائق، ثم يقترح النتيجة الأقرب وفقاً للوقائع والسوابق. هذا المشهد لم يعد خيالاً تقنياً، بل يمثل اتجاهاً متسارعاً يعيد تشكيل مفهوم التحكيم وحدود الدور البشري فيه.

فالتحكيم الإلكتروني الذكي لا يقتصر على تحويل الإجراءات الورقية إلى منصات رقمية، وإنما يوظف تقنيات الذكاء الاصطناعي في فرز الأدلة، وتلخيص المذكرات، وتحليل العقود، ورصد التناقضات، وإدارة المواعيد، بل توقع المسارات المحتملة للنزاع. وتظهر قيمته بوضوح في المنازعات التجارية العابرة للحدود، حيث يختصر الوقت والتكلفة، ويتيح للأطراف والمحكّمين المشاركة دون التقيد بمكان واحد.

لكن السرعة لا تعني بالضرورة عدالة أفضل، فقد تستند الخوارزمية إلى بيانات ناقصة أو منحازة، أو تصل إلى توصية يصعب تفسير منطقها. كما تثير هذه التقنية مخاطر تتعلق بسرية المستندات، وحماية البيانات، والأمن السيبراني، والتحقق من هوية المشاركين، وضمان عدم التأثير في الشهود. وإذا أثّر خلل تقني في تمكين أحد الأطراف من عرض دفاعه، فقد يتحول الابتكار نفسه إلى سبب للطعن في الحكم أو مقاومة تنفيذه.

وفي دولة الإمارات، يوفر قانون التحكيم، بعد تعديلاته، أساساً مرناً لإجراء التحكيم حضورياً أو افتراضياً باستخدام وسائل التقنية الحديثة. غير أن السماح برقمنة الإجراءات لا يعني منح الآلة سلطة الفصل المستقل في الخصومة؛ فالحكم التحكيمي يظل مرتبطاً بشخص المحكّم، وحياده، واستقلاله، وفهمه الوقائع، وقدرته على التسبيب والموازنة بين الأدلة.

لذلك، يبدو المستقبل الأقرب هو «المحكّم المعزَّز بالذكاء الاصطناعي»، لا «المحكّم الآلي»، فالذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعد في التحليل، لكنه ينبغي ألا يحل محل التقدير القانوني والإنساني. ويتطلب نجاح هذا النموذج اتفاقاً واضحاً على الأدوات المستخدمة، وضمان حق الأطراف في معرفة أثرها ومناقشة نتائجها، ووضع قواعد دقيقة للمساءلة والسرية وحماية البيانات.

والتحدي الحقيقي ليس في قدرة التقنية على قراءة الملف، بل في تحديد من يتحمل مسؤولية خطئها، ومدى وجوب الإفصاح عن استخدامها، وكيفية مراجعة توصياتها قبل اعتمادها في الحكم النهائي، فالعدالة الذكية لا تتحقق عندما تصدر الخوارزمية قراراً أسرع، بل عندما تُستخدم التقنية لرفع كفاءة التحكيم دون أن تنتقص من ضماناته.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر