بِر المدير
في السنوات الأخيرة ظهر نوع جديد من أنواع البر لم تذكره كتب الفقه (كبِر الوالدين، وبر الأرحام، وبر الجار)، وهو ما سمّاه أحدهم في التواصل الاجتماعي «بِر المدير»، وهو أعظمها أجراً وأسرعها ترقية، «بِر المدير» ليس أن تنجز عملك، هذا مفهوم قديم وساذج، «بِر المدير» له طقوسه وشعائره التي يجب أن يحفظها كل متسلق طموح.
يبدأ يوم الموظف البار بمديره من قبل أن يبدأ الدوام، فقبل شروق الشمس يبدأ بأذكار الصباح لمديره، فيكون أول من يضع في قروب العمل «صباح الخير يا مديري الغالي، يوم جميل بوجودكم في حياتي المهنية»، وإذا تأخرت فقد يسبقك بار آخر أكثر براً منك، البار لا يقول «صباح الخير للجميع»، هذه بدعة، الصباح لا يصبح خيراً إلا إذا كان المدير بخير، الجميع تفصيلة غير مهمة.
في الاجتماع، يجلس البار في الصف الأول، وعيناه لا تفارقان المدير، إذا قال المدير نكتة سمجة، يضحك البار ضحكة مدوية كأنه سمع نكتة القرن، وإذا قال المدير فكرة عادية جداً، يهز البار رأسه بذهول ويقول: «الله! يا لها من فكرة عظيمة لم تخطر على بال أحد!»، أما في عالم التواصل الاجتماعي، فبِر المدير يصل لمرحلة العبادة، صورة المدير وهو يرتشف قهوة يجب أن تُنشر مع تعليق: «المدير الملهم حتى في قهوته يفكر في مصلحة العمل»، والمضحك المبكي أن المدير النرجسي يصدق، يظن فعلاً أن قهوته ملهمة.
ولـ«بِر المدير» نواقض، احذرها، من نواقضه أن تقول رأياً مخالفاً في الاجتماع، كأن تقول «عندي فكرة أفضل» فهذه كبيرة من الكبائر، الفكرة الأفضل هي دائماً فكرة المدير، حتى لو كانت كارثية، ومن نواقضه أن تمدح مديراً آخر أو زميلاً مجتهداً أمام المدير، فإياك وإياك، فالمدح للمدير فقط لا غير.
البار المحترف لا يمدح المدير أمامه فقط، بل يذم زملاءه من خلفهم ليظهر هو، يذهب إلى المدير ويقول: «سيدي، أنا حريص على مصلحة الإدارة، لاحظت أن فلاناً يتأخر خمس دقائق»، هو لا يحرص على الإدارة، وإنما يحرص على إزاحة فلان من طريقه، والنتيجة؟ أن المطبل البار يترقى.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.