أخطر موظف في المؤسسة
أخطر موظف في المؤسسة ليس الموظف الكسول، ولا المهمل، ولا حتى قليل الكفاءة؛ فهؤلاء من السهل اكتشافهم والتعامل معهم.
الأخطر، في واقع الأمر، هو الموظف المنسحب. ذلك الذي كان في يومٍ ما واحداً من أفضل العاملين في المؤسسة والأكثر عطاءً، والأشد حرصاً على الإنجاز. كان يبادر، ويقترح، ويتحمل المسؤولية، ويعتقد أن الاجتهاد والكفاءة والطموح هي الطريق الطبيعي إلى التقدم، ثم حدث شيء ما.
تعرض للمحاربة، أو التهميش، أو التجاهل، وربما رأى الأقل كفاءة يتقدمون عليه، بينما بقي هو في مكانه. حاول في البداية أن يقاوم، ثم حاول أن يثبت نفسه أكثر، لكن تكرار الخيبات يستنزف حتى أكثر الموظفين حماساً، وفي لحظة إحباط قرر الانسحاب.
لم يستقل من وظيفته، ولم يطلب نقله، ولم يدخل في مواجهة مع أحد بل بقي في مكانه، لكنه خرج من حلبة السباق.
أصبح يؤدي الحد الأدنى من المهام، وينجز ما يُطلب منه، ولا يزيد عليه. توقف عن المبادرة، وتوقف عن تقديم الأفكار، وتوقف عن الاهتمام بما يحدث حوله.
وهنا تبدأ الخطورة الحقيقية، فالمؤسسة لا تخسر موظفاً كفؤاً فحسب، بل تخسر معه نموذجاً ملهماً كان يصنع الطموح لدى الآخرين. والأخطر أن هذا الموظف لا يختفي من المشهد بل يبقى حاضراً أمام زملائه كل يوم.
يراه الموظف الطموح، فيتساءل: ماذا حدث له؟ ولماذا لم تنفعه كفاءته؟ ولماذا وصل غيره بينما بقي هو في مكانه؟
ومع الوقت تتحول قصته إلى رسالة صامتة تصل إلى الجميع: لا تتعب كثيراً.. لا تنافس.. لا تبادر.. فربما تلقى المصير نفسه. وهكذا قد يؤدي ظلم موظف واحد إلى إحباط مجموعة كاملة.
لذلك فإن المؤسسات الذكية لا تسأل فقط: لماذا أصبح هذا الموظف قليل العطاء؟
بل تسأل السؤال الأصعب: ماذا فعلنا به حتى أصبح هكذا؟
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.