حين ينهض التاريخ من تحت الأقدام
ظلّ التمثال نحو 2000 عام ممدّداً على وجهه في شارع روماني بمدينة سرديس القديمة، غرب تركيا. لم يعرف المارّة أن حجارة الرصف تحت أقدامهم كانت جسد رجل منحوت يزيد ارتفاعه على مترين، وأن وجهاً من القرن الخامس قبل الميلاد كان مختبئاً تحت الطريق.
في مايو الماضي، عثر عليه باحثو البعثة الأثرية المشتركة بين جامعتي هارفارد وكورنيل، مكسوراً إلى جزأين كبيرين، لكنه ظل محفوظ الملامح. وحين أزاح المرممون التراب عنه، ظهر شعره الطويل وسالفاه، ثم تكشفت ثيابه ذات الطيات الدقيقة وعروقه البارزة.
يرجّح الباحثون أن التمثال نُحت بين عامي 470 و450 قبل الميلاد، حين كانت سرديس قد فقدت استقلالها وأصبحت مركزاً تابعاً للإمبراطورية الأخمينية. ومع ذلك، لا تظهر عليه بصمات واضحة، فقد جمع نحّاته بين أساليب يونانية معاصرة وملابس ليدية قديمة، كأن الشعوب قد تُهزم سياسياً، لكنها تظل متمسكة بذاكرتها.
وتتجاوز أهمية الاكتشاف جمال التمثال وندرته. فالليديون تركوا نصوصاً قليلة، ولذلك عرفهم العالم من خلال كتابات اليونان والرومان التي صوّرتهم «برابرة شرقيين». أما الآثار فتروي قصة مختلفة: كانت سرديس مركزاً للثراء والعطور والملابس الفاخرة، وكان فنانوها يعرفون تيارات عصرهم من دون أن يذوبوا فيها.
وتذكّرنا هذه المفاجأة بما حدث في المطرية بالقاهرة عام 2017، حين انتُشلت من الوحل أجزاء تمثال ضخم للملك بسماتيك الأول، فأعادت فتح صفحة من تاريخ مدينة «أون» القديمة. كما أثبت اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون سنة 1922 أن غرفة مغلقة قد تغيّر معرفة العالم بحضارة كاملة.
وفي الإمارات، أعادت مكتشفات مليحة في الشارقة رسم صورة المنطقة قبل الإسلام، إذ كشفت المقابر والحصون والعملات والفخار عن مجتمع متصل بالجزيرة العربية وبلاد الرافدين والبحر المتوسط. وفي ساروق الحديد بدبي، خرجت من الرمال آلاف القطع المعدنية، شاهدةً على نشاط صناعي وتجاري واسع في بيئة ظنها بعضهم هامشاً صامتاً.
ما يجمع سرديس والمطرية ومليحة وساروق الحديد أن الأرض تصحح أحياناً ما أخطأت فيه الكتب. فالتاريخ الذي يكتبه الأقوياء قد يختصر شعباً في صفة مهينة، أما تمثال مكسور أو ورشة مدفونة فتمنحه فرصة أخرى للكلام.
ولاتزال هوية صاحب التمثال مجهولة. ربما كان أحد الأثرياء، وربما نُصب قرب معبد «سيبيل». لكن المفارقة أن الرجل الذي أراد أن يخلّد حضوره صار حجراً تحت الأقدام، ثم نهض بعد 25 قرناً ليقاوم النسيان.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.