إشارات من «2026 IPS»
أحياناً تقول حركة السوق ما لا تستطيع الأرقام وحدها أن تقوله، وهذا تحديداً ما بدا واضحاً في معرض العقارات الدولي «IPS 2026» أخيراً في دبي: مطورون يعلنون مشاريع جديدة، ومستثمرون يبحثون عن فرص، وشركات تمضي في خطط البناء والتسليم، في وقت كان من الطبيعي أن تفرض فيه التوترات التي تشهدها المنطقة قدراً أكبر من الحذر والترقب.
هذه الصورة تستحق التوقف عندها، لأنها تكشف جانباً مهماً من التحول الذي شهدته سوق دبي خلال السنوات الأخيرة، فالسوق لم تعد تتحرك فقط مع موجات التفاؤل والظروف المواتية، بل أصبحت تمتلك قاعدة أوسع من المستثمرين والمقيمين والمشاريع، ومنظومة أكثر نضجاً تساعدها على استيعاب المتغيّرات الخارجية ومواصلة النمو.
ومن هنا، لم تكن الرسالة الأهم التي خرجت من «IPS» مشروعاً بعينه أو صفقة محددة، وإنما حالة الثقة التي ظهرت في أروقة المعرض، فالحضور الدولي، واستمرار المطورين في طرح مشاريع جديدة، وتمسكهم بالجداول الزمنية للتنفيذ والتسليم، كلها إشارات إلى نظرة طويلة الأجل لسوق دبي، تتجاوز تأثير المتغيّرات الآنية. والأهم أن هذه الثقة تستند إلى قاعدة فعلية، فقد تجاوزت قيمة التصرفات العقارية في دبي نصف تريليون درهم خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الجاري، من بينها مبيعات بنحو 350 مليار درهم.
وما سمعناه من المطورين في المعرض يُعزّز هذه الصورة، فمتوسط أسعار القدم المربعة حافظ على تماسكه، بحسب مطورين مشاركين، فيما يستمر الطلب على العقارات السكنية والتجارية والفاخرة ومتعددة الاستخدامات.
لكن اللافت أيضاً أن المنافسة نفسها تتطور، فلم تعد تدور حول السعر والموقع فقط، وإنما امتدت إلى جودة المنتج، ومرونة خطط السداد، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وهنا تحديداً تبدو إحدى أهم نقاط قوة دبي؛ فالمستثمر لا يشتري وحدة عقارية فقط، وإنما يستثمر في مدينة تجمع بين التشريعات والبنية التحتية وجودة الحياة وسهولة ممارسة الأعمال وكفاءة الإجراءات.
حتى أرقام «IPS» تحمل دلالة مماثلة، إذ نمت مساحة العرض في دورة 2026 بنسبة 38%، بعد أن استقطبت دورة العام الماضي أكثر من 30 ألف زائر من 153 دولة، وأسهمت في صفقات واتفاقات تجاوزت 1.8 مليار درهم، لذلك فإن أهم إشارة خرجت من المعرض ليست أن سوق دبي بمنأى عن المتغيّرات المحيطة، بل إنها أصبحت أكثر قدرة على استيعابها.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.