فخ الخوارزميات

يوجد بيننا أشخاص لا علاقة لهم بوسائل التواصل الاجتماعي، وهذا ليس عجزاً عن مواكبة العصر، ولا خوفاً من التقنية، بل هو خيار شخصي اتخذوه عن قناعة، والمفارقة التي تستحق الوقوف عندها طويلاً أن حياتهم تمضي بهدوء، وعلاقاتهم أكثر دفئاً، وأوقاتهم أكثر اتساعاً، ولا يعانون أي انقطاع معرفي كما قد يظن بعضهم.

لقد نجحت وسائل التواصل في إقناع كثيرين بأن الانقطاع عنها يعني الانقطاع عن الحياة، بينما الحقيقة أن الحياة أوسع بكثير من شاشة هاتف، فالمعرفة لا تأتي من منصة واحدة، والأخبار لا تتدفق عبر تطبيق بعينه، والثقافة لا تُختزل في تغريدة مختصرة أو مقطع قصير.

هناك من يقرأ كتاباً كل أسبوع، ويشاهد البرامج الوثائقية، ويتحاور مع الناس، ويسافر، ويمارس هوايات متعددة، ويخوض تجارب حقيقية، فيعرف من الحياة ما لا تمنحه الخوارزميات، بل إن بعضهم يمتلك رؤية أكثر توازناً؛ لأنه لا يعيش تحت سيلٍ متواصل من الآراء والانفعالات والمقارنات التي تُرهق الذهن وتستنزف المشاعر.

وأنا هنا لا أقصد التقليل من أهمية وسائل التواصل في حياتنا المعاصرة، فهي أداة نافعة إذا أحسن الإنسان استخدامها، لكنني أرفض بشدة اعتبارها مقياساً للوعي، أو البوابة الحصرية للمعرفة، أو الشرط اللازم للحضور في هذا العصر.

ربما نحتاج أحياناً إلى أن نتذكر أن الإنسان كان يقرأ، ويتعلم، ويبدع، ويبني الحضارات قبل ظهور هذه المنصات بقرون طويلة، ومازالت قيمة الإنسان تُقاس بما يفهمه، لا بما يتصفحه، وبما يضيفه إلى الحياة، لا بعدد ما يستهلكه من محتوى، لذلك لا تستغرب حين ترى شخصاً لا يمتلك أي حساب في وسائل التواصل، ثم تكتشف أنه أكثر اطلاعاً، وأهدأ نفساً، وأغنى تجربةً من كثيرين يقضون نصف أعمارهم وهم يحدقون في شاشات هواتفهم.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة