هل كل الناس تستحق الحقيقة؟
لو سألتك: هل يجب أن تكون صادقاً؟ لكان الجواب بديهياً: نعم. لكن ماذا لو سألتك سؤالاً مختلفاً: هل كل الناس تستحق أن تعرف كل الحقيقة؟ هنا يبدأ التفكير، لأن الصدق قيمة. أما كشف كل ما في النفس، وكل ما في العقل، وكل ما في اليد، فليس دائماً حكمة.
كثيرون من الناس يخلطون بين الصدق وبين كشف الأوراق، فيظنون أن الأمانة تقتضي أن يرووا كل ما يعرفون، وأن الثقة تعني مشاركة كل الأسرار، وأن الصراحة تفرض عليهم أن يكشفوا عن خططهم ومشاعرهم، ونقاط ضعفهم لكل من اقترب منهم، ثم تكون الصدمة عندما تتحول بعض تلك الكلمات إلى أدوات تُستخدم ضدهم.
وليس المقصود هنا الدعوة إلى الكتمان المذموم، ولا إلى الكذب، فالكذب لا يصبح فضيلة بتغير الظروف، لكن الحكمة تقتضي أن يعرف الإنسان متى يتكلم، ولمن يتكلم وبأي قدر يتكلم.. فليس كل سؤال يستحق جواباً كاملاً، وليس كل مستمع مؤتمناً على كل ما يسمع.
وقد علمتنا الحياة أن كثيراً من الندم لم يكن سببه كلمة كاذبة، بل كلمة صادقة قيلت للشخص الخطأ، أو في الوقت الخطأ، أو بالمقدار الخطأ. فليست المشكلة في الحقيقة، وإنما في من نمنحها، وكيف نمنحها.
لهذا لا تجعل طيبتك تدفعك إلى كشف كل أوراقك، ولا تجعل رغبتك في الصراحة تلغي حقك في الخصوصية، فالإنسان الحكيم لا يخفي الحق، لكنه يحسن إدارته، ولا يبني علاقاته على الأسرار، لكنه لا يفرط فيها أيضاً.
ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه أن الصدق لا يعني أن تصبح كتاباً مفتوحاً لكل من مر بك، فمن حقك أن تصدق مع الناس، ومن حقك أيضاً أن تحتفظ ببعض صفحاتك لنفسك، حتى يثبت الزمن من يستحق أن يقرأها.
فالصدق خلق. أما الحكمة فهي أن تعرف متى وكيف ولمن تقول الحقيقة.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.