دعوة لحماية ذاكرة دبي العمرانية

قرارات إزالة بعض المباني أو تغيير ملامحها الخارجية تغييراً تاماً في مناطق مشهورة ورئيسة، من العوامل التي قد تضر بذاكرة دبي العمرانية الحديثة، عندما نبني برجاً أو مبنى كان يُعدّ رمزاً في زمانه، فمن الأفضل ألّا نزيله تماماً، أو نطمس علامته أو ميزته التي اشتهر بها، لأنه أصبح معلماً من معالم المنطقة التي يقع بها.

أتفق أنه ليس كل مبنى قديم مبنى تراثياً، لكن بعض المباني تتحول مع الزمن إلى شاهد لا يمكن تعويضه. وعلى سبيل المثال لا الحصر، «مبنى تويوتا» على شارع الشيخ زايد ليس تحفة معمارية بالمعنى التقليدي، لكنه جزء أصيل من ذاكرة دبي المعاصرة. شُيّد عام 1974، وعاش أكثر من نصف قرن يراقب توسع الشارع الذي يقع به ليتحول إلى أحد أشهر الشوارع في العالم، وأفقاً عمرانياً يعاد رسمه أمامه بمدينة نابضة لا تتوقف فيها الحركة.

أكيد أن هناك مبرراً هندسياً أو اقتصادياً لإزالة هذا المبنى، وأكيد أنه سيعوّض بمبنى آخر، لكنه في الواقع يملك قيمة كبيرة ضمن قائمة المباني التي تُعدّ شاهداً على قصة تطور دبي، فالأمر يتجاوز قطعة الأرض التي يقع عليها وقيمتها الاستثمارية، ويتعلق بشواهد دبي وذاكرتها المادية، الأمر يتعلق بمعلم نقيس به مسافة التطور التي قطعتها الإمارة، فعندما يقف مبنى من السبعينات بجوار أبراج بنيت خلال آخر عقدين، فإنه يقدم للعالم قصة لا تستطيع الصور ولا المتاحف وحدها أن ترويها: هكذا كانت المدينة، وهكذا أصبحت.

لا أدعو إلى منع هدم كل مبنى قديم، فهذا غير واقعي، لكننا بحاجة إلى دراسة معمقة قبل قرار الإزالة النهائية، وسجل رسمي لذاكرة دبي العمرانية الحديثة يحدد المباني التي تحمل قيمة تاريخية أو اجتماعية أو رمزية قبل اتخاذ قرار إزالتها، لأن المدن العظيمة لا تعرض إنجازاتها الجديدة فقط، بل تحافظ على إرثها الذي شهد تاريخ تحولاتها.

ولهذا أقترح إنشاء صندوق للاستحواذ على مثل هذه المباني، بالشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص، ثم إعادة توظيفها كمراكز ثقافية أو متاحف حضرية أو مساحات إبداعية، أو وجهات سياحية واقتصادية تحفظ المبنى وتمنحه حياة جديدة، وإذا تعذر الحفاظ على المبنى بالكامل، يمكن الاحتفاظ بجزء منه أو بواجهته أو بعناصره البصرية وإدماجها في المشروع الجديد، مع توثيق قصته وتحول المنطقة من حوله.. نعم للتطوير وللابتكار والتحسين، لكن لا لطمس هوية معالم، طالما اعتبرناها دليلاً على انطلاق رحلتنا، وجزءاً من تاريخ تطورنا ووصولنا إلى ما وصلنا إليه حالياً.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة