موظف عام
«أنا ما يعجبني الإنسان اللي يوافقك على كل شيء، ولكن لما الواحد يجاملك، يعني ما يحترمك».
قالها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في مقابلة تلفزيونية قبل ربع قرن، وبعض المسؤولين لم يسمعوها إلى اليوم. وأخيراً ذكّر سموه بالدرس: «طبيعة العمل العام أنه يجلب النقد، ولا بد أن تتحمل. افعل الصواب.. دعهم يتحدثون».
وقيادتنا لا تطلب من مسؤول ما لم تفعله هي. كان المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، يجول في دبي مرتين يومياً، يتفقد المشروعات ويلتقي الناس، ثم يفتح مجلسه لكل صاحب رأي أو مظلمة. ولاتزال المدرسة نفسها حاضرة في مجالس قيادتنا وبرامج البث المباشر. المواطن يتحدث، والقيادة تتابع، والمسؤول يتحرك.
فالمنصب العام ليس ملكية خاصة. من يتخذ قراراً يمس الناس، عليه أن يقبل مساءلة الناس والإعلام. احترامك واجب، وواجبنا المهني لا يقل عنه.
فلماذا يضيق صدر موظف عام بملاحظة، ويحوّل السؤال إلى إساءة، والنقد إلى استهداف؟ حين ننتقد جهة، فنحن نناقش أداء عاماً لا شأناً شخصياً. نسأل عن قرار وخدمة ونتيجة. التجريح ليس نقداً، والاتهام بلا دليل ليس رأياً، لكن لا تجعل حِدّة العبارة ذريعة للهروب من أصل السؤال.
وللناقد واجباته أيضاً. الدقة والدليل، ونشر الرد بإنصاف. والمسؤول الواثق لا يسأل أولاً: من كتب؟ بل يسأل: هل ما كُتب صحيح؟ إن كان النقد خطأ فأجب بالمعلومة، وإن كان صحيحاً فأصلح. في الحالتين يربح العمل العام.
أما التلويح بالقضايا والجهات المختصة قبل التوضيح، فلا يحمي المؤسسة، بل يجعل التصعيد بديلاً عن الإجابة.
والأغرب أن من يضيق بسطر نقد، لا يضيق بصفحة كاملة لصورته. بعض المسؤولين يريد الإعلام مادحاً، ويخاصمه سائلاً. اليوم مذكرة تفاهم، وغداً وفد وبعده رحلة عمل. أخبار وصور ومنصات. يا سيدي انشر عملك، لكن لا تقدّمه بطولة تستحق نشرة يومية. كن في الميدان أكثر من حضورك في الواجهة وعلى صفحات الجرائد. نحن لا نريد يومياتك، نريد ما تغير في حياة الناس بعد يومك.
عملك وطني ونقدنا وطني، والغاية واحدة: أن يبقى هذا الوطن في المقدمة.
فالاستثنائية لا يحرسها التصفيق، يحرسها مسؤول يعرف أنه موظف عام، لا يخاف السؤال ويجعل الإنجاز جوابه.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.