حين يتحول الطفل إلى محتوى!

عندما صدر قرار مجلس الوزراء رقم (106) لسنة 2026 بشأن تنظيم وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي، انصرف اهتمام كثيرين إلى أبرز أحكامه، وهو منع الأطفال دون الخامسة عشرة من إنشاء أو استخدام حسابات شخصية.

غير أن القراءة المتأنية لنصوص القرار تكشف أنه لا يقتصر على تنظيم الحسابات، بل يؤسس لمبدأ أشمل، يتمثل في حماية الطفل من الاستغلال والمخاطر في البيئة الرقمية، بصرف النظر عن الوسيلة التي يتحقق بها ذلك.

ويتضح هذا التوجه في المادة الخاصة بالتزامات القائم على رعاية الطفل، التي أوجبت عليه «ممارسة الإشراف الفعلي على أي نشاط رقمي للطفل، بما يكفل عدم استغلاله أو تعريضه لمخاطر رقمية».

واللافت أن المشرع لم يقصر الالتزام على الحسابات الشخصية للأطفال، بل استخدم تعبيراً أوسع هو «أي نشاط رقمي للطفل»، وهو اختيار تشريعي يبدو مقصوداً، لأنه يجعل محور الحماية هو الطفل نفسه، وليس الحساب الذي يظهر من خلاله.

ومن هنا تبرز قراءة تستحق النقاش، فهناك من يتصور أن القرار يعالج فقط مسألة امتلاك الأطفال حسابات على منصات التواصل، في حين قد تمتد فلسفته إلى صورة أخرى أصبحت أكثر شيوعاً، وهي ظهور الأطفال بصورة مستمرة في محتوى يُنشر عبر حسابات آبائهم أو غيرهم من صناع المحتوى، بحيث يصبح الطفل هو العنصر الأساسي الذي تُبنى عليه المشاهدات أو الشهرة، وربما العائد المالي!

ولا يعني ذلك أن القرار يحظر ظهور الأطفال في حسابات ذويهم أو يمنع مشاركة اللحظات العائلية الطبيعية. لكن في المقابل، يلزم القائم على رعاية الطفل بعدم استغلاله في أي نشاط رقمي، وهي صياغة واسعة قد تدفع إلى إعادة النظر في بعض الممارسات التي تتجاوز حدود المشاركة العائلية، ويصبح الطفل فيها محوراً دائماً للمحتوى.

ومن ثم، فإن الحماية الرقمية لا تبدأ وتنتهي عند إنشاء الحسابات، وإنما تمتد إلى حماية الطفل من الاستغلال أينما وجد في الفضاء الرقمي، وهذه قراءة تنسجم مع فلسفة القرار، وتؤكد أن المسؤولية لا تقع على المنصات وحدها، بل تمتد أيضاً إلى كل من يجعل من الطفل وسيلة لإنتاج المحتوى، متى تحول ذلك إلى صورة من صور الاستغلال التي أراد المشرع الحدّ منها.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة