غداً ينجلي الغبار

في كل أزمة لا ينقسم الناس بين مؤيد ومعارض فقط، بل ينقسمون قبل ذلك بين من يبحث عن الحق، ومن يبحث عن الجهة التي تبدو أقوى. بعضهم لا يسأل: أين الصواب؟ بل يسأل: أين المصلحة؟ ولا يعنيه أن يكون موقفه عادلاً، بقدر ما يعنيه أن يكون آمناً ولو إلى حين.

وهنا تبدأ معضلة الرهان الخطأ. فهناك من يظن أن القوة في الصوت الأعلى، أو في المنصب الأقرب، أو في القدرة على التأثير المؤقت، فيسارع إلى الاصطفاف حيث يظن أن الغلبة ستكون. لا يفعل ذلك اقتناعاً، بل خوفاً أو طمعاً أو رغبة في النجاة الفردية. وحين يختار الإنسان موقفه بهذه الطريقة، فإنه لا يراهن على الحق، بل يراهن على الغبار الذي أثارته المعركة.

والغبار بطبيعته يخدع العيون. قد يجعل الضعيف قوياً، والمخطئ منتصراً، والمتردد حكيماً، والصامت عاقلاً. لكنه لا يصنع حقيقة، ولا يمنح الباطل عمراً طويلاً. فقد ينتصر الضجيج يوماً، وقد يتأخر الإنصاف زمناً، وقد يجد صاحب الحق نفسه وحيداً إلا من يقينه، لكن المواقف لا تقاس بلحظة الارتباك، وإنما بما يبقى منها بعد انقشاع العاصفة.

أخطر ما في الأزمات أنها تكشف المعادن. فهناك من يحفظ لنفسه قدرها ولو خسر مصلحة، وهناك من يبيع موقفه بثمن قليل، ثم يكتشف لاحقاً أن المصلحة التي ربحها كانت أصغر من الاحترام الذي فقده. والخذلان ليس دائماً طعنة صريحة، أحياناً يكون صمتاً في موضع الكلام، أو حياداً حين يصبح الحياد مشاركة غير معلنة.

والحل ليس في الشجاعة المندفعة، ولا في الخصومة الدائمة، بل في ميزان أخلاقي ثابت: لا تقف مع من يبدو أقوى، بل مع من يبدو أصدق. لا تجعل خوفك مستشارك الوحيد. ولا تتخذ موقفاً اليوم تخجل من الدفاع عنه غداً. فالمجتمعات لا تستقيم حين تكافئ المتلونين، بل حين تحمي من يقول الحق بأدب، ومن يختلف بشرف، ومن لا يبيع موقفه عند أول اختبار.

الغبار مهما ارتفع لا يبقى، ومهما طال لا يغلب النهار. وغداً ينجلي الغبار لنرى أتحتك فرس أم حمار.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة