التفاهة ليست سبباً.. بل نتيجة

من السهل أن نسخر من المحتوى التافه، وأن نحمّل صانعيه مسؤولية انحدار الذوق العام، لكن الأصعب أن نسأل أنفسنا: ما الذي جعل التفاهة تتحول - في بعض المجتمعات - إلى صناعة مزدهرة، ومصدر رزق يتدافع إليه آلاف الشباب؟

فالإنسان لا يولد تافهاً، ولا يحلم منذ طفولته بأن يقضي أيامه في مطاردة المشاهدات والإعجابات. ومعظم الشباب يبدأ حياته بطموحات مشروعة، مثل وظيفة مستقرة، ودخل كريم وفرصة يُثبت من خلالها ذاته، لكن حين يطول الانتظار، وتضيق فرص العمل، وتتراجع قيمة الكفاءة أمام قسوة الواقع، يبدأ بعضهم بالبحث عن مسارات أخرى تقودهم إلى الشهرة، والثراء والتأثير.

وهنا تظهر منصات التواصل الاجتماعي باعتبارها سوقاً مفتوحة لا تسأل عن الشهادات ولا عن الخبرة، بل تكافئ كل ما يجذب الانتباه ويحصد التفاعل، بغض النظر عن قيمته.

وعندما يكتشف الشاب أن دقائق من الإثارة أو الجدل قد تمنحه دخلاً وشهرة وتأثيراً يفوق ما قد تحققه سنوات طويلة من الدراسة والعمل، تتبدل الأولويات لديه، ويصبح الطريق الأقصر أكثر إغراء من الطريق المعتاد.

وعند هذه النقطة تحديداً، يصبح من السذاجة أن ننظر إلى التفاهة باعتبارها مجرد خلل فكري أو أخلاقي، لأنها كثيراً ما تكون استجابة مشوهة لواقع غير عادل.

أما الشباب الذين ينتمون لدول تمنحهم أملاً حقيقياً في المستقبل، وتفتح أمامهم أبواب العمل الحقيقي والإبداع المحترم، فمن المستبعد أن ينساقوا إلى طريق التهريج والابتذال، لأنه ببساطة يصبح خياراً غير مُغرٍ.

لهذا فإن أخطر ما في صناعة المحتوى التافه أنها لا تكشف عن أزمة في الذوق العام فقط، بل قد تكشف أيضاً عن اختلالات أعمق في الاقتصاد والتعليم وسوق العمل.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة