زمن ميكافيلي

لم تعد المشكلة في صاحب الرأي المخالف، ولا في الخصم الذي يعلن موقفه بوضوح، فهؤلاء يمكن التعامل معهم، وفهم حدود العلاقة بهم.
المشكلة الحقيقية في ذلك الإنسان الذي لا تعرف له وجهاً ثابتاً، ولا يداً واحدة، بل تجده كالأخطبوط؛ يمد يداً للمصافحة، وأخرى للطعن، وثالثة للمجاملة، ورابعة لقياس اتجاه الريح.
هذا النوع لا يدخل العلاقات بصدق، بل بحسابات. لا يصادقك لأنه يحبك، ولا يقترب منك لأنه يثق بك، وإنما لأنه يرى فيك منفعة مؤقتة، أو جسراً عابراً، أو ورقة قد يحتاج إليها يوماً ما.. فإذا تبدلت المصلحة تبدل الوجه، وإذا تغيّر الاتجاه تغيّر الخطاب، وإذا شعر أن الريح تهب من جهة أخرى سبق إليها قبل أن يُحسب عليك أو معك.
في زمن ميكافيلي، لا تُستخدم المبادئ باعتبارها قيماً ثابتة، بل أدوات قابلة للإعارة.
يتحدث عن الوفاء إذا احتاج إلى وفائك، وعن القانون إذا خدمه القانون، وعن الأخلاق إذا أراد إحراج خصمه، ثم يخلع كل ذلك متى وجد أن المصلحة في الاتجاه الآخر.
لذلك لا يكون خطر هذا النموذج في ذكائه، بل في قدرته على جعل الخيانة تبدو حكمة، والانتهازية تبدو مرونة.
والعلاج لا يكون بالصدام دائماً، ولا بسوء الظن في الجميع، بل ببناء وعي يفرّق بين الحكيم والمتلوّن. الحكيم قد يختلف معك، لكنه لا يبيعك، وقد يلين، لكنه لا يتنازل عن أصله. أما المتلوّن فيمنحك من الكلام أكثر مما يمنحك من الموقف.
لذلك تحتاج العلاقات، كما تحتاج المؤسسات، إلى ذاكرة لا تنخدع بالكلام الجميل، وإلى مواقف موثقة لا انطباعات عابرة، وإلى ثقافة لا تكافئ من يرضي الجميع في الظاهر ويفسد الثقة في الباطن، فمن أخطر ما نصنعه بأيدينا أن نرفع الانتهازي، لأنه «يعرف كيف يتعامل»، ثم نلوم الصادق، لأنه لا يجيد اللعب.
قد ينجح الإنسان الأخطبوط زمناً، وقد يظنه الناس الأذكى، لكنه ينسى أن كثرة الأيدي لا تعوّض غياب الوجه الواحد، وأن من عاش بلا مبدأ قد يربح المواقف الصغيرة، لكنه يخسر احترامه الكبير. 

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة