بين اتساع البطولة.. وانتهاء زمن الأساطير

لم يكن المونديال الأخير مجرد بطولة جديدة في تاريخ المستديرة، بل كان اختباراً لفكرة «الفيفا» بتوسيع المشاركة إلى 48 منتخباً، وهو القرار الذي أثار جدلاً كبيراً وانقسمت حوله الآراء، بين مؤيدٍ رأى فيه انتصاراً لعدالة الفرصة، ومعارضٍ خشي أن يكون ذلك على حساب الجودة والنوعية.

لكن بعد إسدال الستار وطي آخر صفحات البطولة، بدا أن التجربة نجحت في كسب رهان الانتشار بعدما حققت أرقاماً قياسية في الحضور والمتابعة، وفتحت أبواب الحلم أمام منتخبات ظهرت للمرة الأولى وصنعت لها لحظات ستبقى راسخة في الذاكرة. ورغم ذلك، فإن اتساع دائرة الحضور لم يُترجم بالقدر نفسه إلى اتساع دائرة المنافسة، إذ بقيت الكلمة الفصل للمنتخبات الكبيرة فقط، لتُبرهن المعطيات أن توسيع الحلم لا يعني بالضرورة توسيع دائرة الأبطال.

لكن يبقى السؤال الأهم، هل قدّم مونديال أميركا نجماً جديداً يُضاف إلى قائمة الأساطير التي صنعتها البطولة عبر تاريخها؟ بمعنى هل ظهر لاعبٌ فرض نفسه كما فعل بيليه، ومارادونا، ورونالدو البرازيلي، وزيدان، وميسي في نسخ سابقة؟ الإجابة يبدو أنها تميل إلى النفي، فالبطولة شهدت تألق عدد من اللاعبين ولفتت الأنظار إلى مواهب تستحق المتابعة، لكنها لم تُفرز ذلك الاسم الذي غيّر المونديال مسيرته، وجعل منه حديث العالم. ولعل السبب لا يكمن في نقص الموهبة، بقدر ما يعكس طبيعة كرة القدم الحديثة التي يُولد فيها النجوم في ملاعب الدوريات الكبرى، وتنتشر شهرتها عبر الشاشات والمنصات الرقمية على مدار العام، إذ لم تعد كأس العالم المحطة الوحيدة التي تصنع المجد أو تكشف المجهول، وهو ما جعل المونديال الأخير أقرب إلى منصة تؤكد مكانة النجوم المعروفين، أكثر من كونه نقطة انطلاق لأسطورة كروية جديدة.

في المقابل، يبقى المشهد الأكثر رمزية مرتبطاً بليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو، إذ دقت البطولة جرس الفصل الأخير لحقبة استثنائية هيمنت على كرة القدم لما يقارب عقدين، أعاد فيها اللاعبان صياغة معايير التنافس وحطما الأرقام القياسية، وصنعا واحدة من أعظم الثنائيات في تاريخ اللعبة. ولأجل هذا، ستُذكر هذه النسخة ليس فقط بنجاحها في توسيع قاعدة المشاركة، بل أيضاً بأنها ودّعت عصر ميسي ورونالدو، وفتحت الباب أمام جيلٍ يبحث عن أسطورته، وسينتظر مونديالاً آخر ليراها ويبدأ معها قصة ورحلة جديدة من الشغف والمنافسة!

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة