تأشيرة الـ 5 سنوات وخريطة الطلب العقاري

في الدول الكبرى، لا تُعدّ التأشيرات مجرد تصاريح عبور، بل أصبحت أدوات اقتصادية تعيد رسم خريطة الاستثمار وحركة رؤوس الأموال، فكلما ازدادت مرونة الدخول والإقامة، ارتفعت قدرة الدولة على تحويل الزائر من مستهلك مؤقت إلى مستثمر طويل الأجل. ومن هذا المنطلق، تبدو التأشيرة السياحية متعددة الدخول لمدة خمس سنوات التي أتاحتها الإدارة العامة للهوية وشؤون الأجانب في دبي، أكثر من مجرد تسهيل لإجراءات السفر، إذ تُمثّل خطوة استراتيجية تُعزّز جاذبية دبي، وتفتح مساراً جديداً لنمو القطاع العقاري، عبر توسيع قاعدة الطلب الحقيقي، وربط السياحة بالاستثمار في نموذج يقوم على بناء علاقة مستدامة بين الزائر والمدينة، لا على الزيارة العابرة.

فالقطاع العقاري لا تحركه أسعار الفائدة أو حجم المعروض وحدهما، بل يتأثر أيضاً بسهولة الوصول إلى المدينة، وإمكانية العودة إليها مراراً. وكلما تراجعت القيود على الحركة، ارتفعت احتمالات انتقال الزائر من سائح إلى مقيم مؤقت، ثم إلى مستثمر أو مالك لعقار.

تبرز أهمية التأشيرة الجديدة في أنها تمنح الزائر وقتاً كافياً لاكتشاف دبي من الداخل، بدلاً من تكوين انطباع سريع خلال عطلة قصيرة، فالإقامة المتكررة تتيح اختبار جودة الحياة، وكفاءة البنية التحتية، وبيئة الأعمال، وهي عناصر تؤدي دوراً محورياً في قرار شراء العقار. كما أن السماح بالإقامة لمدة 90 يوماً قابلة للتمديد، يمنح المستثمر المحتمل فرصة لاتخاذ قرار أكثر دراسة وثقة. ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على سوق الإيجارات قصيرة ومتوسطة الأجل، مع زيادة الطلب على الشقق المفروشة، وبيوت العطلات، والوحدات السكنية المخدّمة. كما قد يدفع هذا التحول، المطورين إلى التوسع في المشروعات متعددة الاستخدامات والمساكن الفندقية والعقارات ذات العلامات التجارية العالمية.

ولا يقتصر الأثر على العقارات السكنية، إذ إن ارتفاع وتيرة الزيارات المتكررة سينعكس على الفنادق، والتجزئة، والمطاعم، والطيران، والترفيه، بما يُعزّز الطلب على العقارات التجارية. لهذا، لا تكمن أهمية تأشيرة السنوات الخمس في عدد التأشيرات التي ستصدر، بل في نوعية الطلب، فهي تُعزّز تحول دبي من وجهة تُزار إلى مدينة يُخطط للإقامة والاستثمار فيها، وهو تحول يُرسّخ استدامة الطلب العقاري، ويمنح السوق قاعدة نمو أكثر عمقاً واستقراراً.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة