«معالي» و«سعادة» ألقاب لا اجتهاد

في الماضي كانت للألقاب الرسمية مكانتها وهيبتها، وكانت تُمنح وفق ضوابط واضحة لا تحتمل الاجتهاد أو المجاملة، فكنا نرى لقب «معالي» يسبق أسماء الوزراء ومَن في حكمهم، ولقب «سعادة» يسبق أسماء وكلاء الوزارات، والسفراء، وأعضاء بعض المجالس والهيئات، ومَن في حكمهم. وكانت وسائل الإعلام تتعامل مع هذه الألقاب بمهنية عالية، فلا تُطلقها إلا على مستحقيها وفق البروتوكولات والأعراف الرسمية المعتمدة، بما يحفظ لكل منصب دلالته وحدوده.

أما اليوم فقد تغيّر المشهد مع اتساع دائرة التأثير الإعلامي، وتعدد منصات التواصل الاجتماعي، فأصبحت بعض الحسابات الشخصية، ولاسيما الإخبارية منها، تمارس دوراً إعلامياً واسع الحضور، دون أن يكون القائمون عليها على دراية كافية بالمعايير الدقيقة التي تحكم استخدام هذه الألقاب، أو بالمرجعيات البروتوكولية التي تنظّمها وتحدد نطاقها. والإشكالية ذاتها تنطبق على الحسابات المتخصصة في تصوير الفعاليات وتغطية المناسبات، فصرنا نقرأ لقب «معالي» يسبق أحياناً أسماء مديري عموم، ورجال أعمال، ورؤساء أندية، في حين يُمنح لقب «سعادة» لمديري إدارات، أو رؤساء جمعيات نفع عام، أو أصحاب شركات خاصة، في خلطٍ يوسع الدلالة خارج سياقها الرسمي المعروف حتى أصبح الخطأ يتكرر بصفة يومية إلى درجة يظن معها البعض أن السياق فضفاض، ولا تحكمه ضوابط صارمة.

ولا تكمن المشكلة في الخطأ البروتوكولي فحسب، بل في ما يترتب عليه من أثر أعمق، إذ يؤدي الإفراط في استخدام هذه الألقاب إلى إضعاف قيمتها الرمزية، وإلى تلاشي الحدود الفاصلة بين المستويات والمواقع الرسمية، بما يفقدها وظيفتها الأصلية في تمييز وتشريف بعض الشخصيات الوطنية البارزة، وفق معايير واضحة ومحددة، فالألقاب الرسمية ليست عبارات للتقدير الشخصي أو المجاملة الاجتماعية، بل أدوات مؤسسية تعكس التسلسل الإداري لأصحاب المناصب في الدولة، والإطار البروتوكولي لمن صدرت بحقهم مراسيم خاصة، تقديراً لأدوارهم الوطنية وإسهاماتهم المجتمعية.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

الأكثر مشاركة