عدالة عابرة للحدود
الاحتيال له صور عدة، منها إغراء بعضهم بتحويل مدخراتهم إلى مشاريع أو شركات خارج دولة الإمارات، قبل أن يكتشفوا لاحقاً أنهم وقعوا في فخ محكم في ظل عدم وجود مظلة تشريعية رادعة هناك، أو أجهزة دؤوبة تحقق العدالة الناجزة.
والسؤال القانوني الملح في مثل هذه الحالات: هل يستطيع المتضرر اللجوء إلى القضاء الإماراتي لاسترداد أمواله إذا وقع الاحتيال خارج الدولة؟
الإجابة ليست نعم أو لا، وإنما تتوقف على طبيعة النزاع والوقائع المحيطة به، ويمكن الاسترشاد بحكم مدني صدر في دعوى طرفاها شخص أغراه آخر بالاستثمار في شركة تقع خارج الدولة، واستولى منه على مبلغ ضخم، قبل أن يتبين لاحقاً أن تلك الشركة لم تكن مرخصة لممارسة النشاط الذي ادعته، وأنه استثمر في الوهم.
هذه الدعوى مهمة ودلالية، فالمحكمة أكدت أنه بمجرد حدوث الواقعة خارج الدولة لا يمنع المحاكم الإماراتية من نظر الدعوى متى توافرت أسباب اختصاصها، كوجود المدعى عليه داخل الدولة، أو انعقاد الولاية القضائية وفقاً للقانون، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن القانون الواجب تطبيقه على المسؤولية التقصيرية «الشق الجزائي» هو قانون الدولة التي وقع فيها الفعل المنشئ للضرر، وأصدرت حكماً مدنياً برد أموال المدعي كما قضت لمصلحته بتعويض إضافي مجزٍ.
لكن هذا الحكم لا يعني أن كل من يخسر أمواله في استثمار خارج الدولة سيحصل تلقائياً على نتيجة مماثلة، فالواقع أن هناك حالات يصبح فيها إنصاف الضحية بالغ الصعوبة، خصوصاً إذا لم يحتفظ المستثمر بأي مستندات تثبت التحويلات أو الاتفاقات، أو إذا كان قد تعامل نقداً دون أدلة، أو استجاب لوعود شفهية لا يمكن إثباتها.
كما تتعقد المسألة أكثر إذا كان المحتال مجهول الهوية، أو يقيم في دولة لا توجد معها اتفاقيات فعالة لتنفيذ الأحكام، أو استخدم محافظ رقمية ومنصات غير خاضعة للرقابة، بما يجعل تتبع الأموال واستردادها أكثر صعوبة.
ولهذا، فإن أفضل حماية قانونية تبدأ قبل الاستثمار، وليس بعد ضياع الأموال، وبشكل عام، سواء كانت الخطوة داخل الدولة أو خارجها يجب التحقق من ترخيص الشركة، والجهة الرقابية التي تشرف عليها، وطبيعة النشاط، ووجود عقود واضحة، والاحتفاظ بجميع التحويلات والمراسلات.. كلها إجراءات قد تبدو بسيطة، لكنها تتحول لاحقاً إلى أدلة حاسمة أمام القضاء.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.