ما فعلته المغرب والباراغواي
مع ختام الأدوار الإقصائية الأولى للمونديال، انتقلت البطولة من مرحلة الحسابات إلى مرحلة الحسم، فلم يعد هناك هامش للخطأ، وأصبحت الجزئيات هي التي ترسم الفارق بين البقاء والمغادرة.
فهي فعلياً تُعد البداية، حيث تختبر المنتخبات وتنهار التوقعات، بينما تصنع أخرى مجداً يبقى عالقاً في ذاكرة الحدث. وعلى الرغم من أن النتائج لم تحمل مفاجآت مدوية بالقدر الذي اعتدناه سابقاً، إلا أنها لم تخلُ كذلك من وداعٍ مبكر لأسماء كبيرة مثل ألمانيا وهولندا، كما برهنت هذه النسخة على أن الفروق بين الجميع باتت أضيق من أي وقت مضى. صحيح أن أغلبية الكبار نجحوا في تجاوز هذا الدور، لكن ليس جميعهم قدم ما يبعث الاطمئنان لجمهوره، فهناك من عبر بثقة وأظهر شخصية البطل، وهناك من تأهل بصعوبة وكشف عن ثغرات قد تتحوّل إلى نقطة ضعف قاتلة له في الأدوار الفاصلة، التي لا يشفع لها امتلاك النجوم والتاريخ فقط، بقدر امتلاك الجاهزية والذكاء في التعامل مع الضغوط.
الملاحظ أيضاً أنه لم يعد هناك فارق بين المنتخبات كما كان قبل عقدين أو ثلاثة، كون التطور الفني والبدني والتنظيمي، ساوى كفتي الثقة والجرأة بين الجميع، وأصبح البعض يُؤمن بأن الفوز ليس حُلماً أو صعباً، وإنما احتمال واقعي، عندما تُجيد إدارة المواجهة واستثمار الفرص فيها، مثلما شاهدنا ما فعلته المغرب والباراغواي.
ورغم مخاوف ما قبل الانطلاقة بسبب الشكل الجديد للبطولة، إلا أنها لم تفقد قيمتها الفنية، بعدما أعادت الأدوار الإقصائية الإيقاع المعتاد لها، لتثبت أن جودة المنافسة تبدأ عندما يصبح الفوز هو الخيار الوحيد.
كما أن المسار النهائي بات يتضح تدريجياً، فالمنتخبات التي لديها زخم لاعبين وتتميز بالانضباط والاستقرار الفني تبدو الأقرب للذهاب بعيداً، وفي مقدمتها الأرجنتين، فرنسا، إسبانيا، البرازيل وإنجلترا التي تمتلك جيلاً مميزاً، لكنها مطالبة بإظهار قوة شخصيتها أمام المنافسين الكبار، فأي منتخب يصل إلى ربع النهائي قد يكون قادراً على قلب التوقعات، كون اجتياز هذه المحطة محكوماً بتفاصيل بسيطة في المستطيل.
لذا، يبقى السؤال: هل كشفت الأدوار الماضية هوية البطل؟ ربما لا، فالتاريخ يُعلمنا أن البطولة تتقلب من مرحلة لأخرى، ومن ظهر أكثر إقناعاً قد يجد نفسه خارج المنافسة غداً، لا سيما أن المونديال دخل مرحلته الأكثر إثارة، والطريق للقبه لن يكون مفروشاً بالأسماء والتاريخ، بل بمن يملك الشخصية والهدوء ثم القدرة على الحسم، عندما يُحوّل مواجهاته إلى نهائي قائم بذاته!
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.