البحث عن الاعتراف
قبل أيام، سألني أحد الأصدقاء: ما تفسيرك لمبالغة البعض في تصوير الضيوف أثناء وصولهم إلى قاعات الأفراح ومجالس العزاء، وملاحقتهم بالكاميرات حتى لحظة مغادرتهم؟
فاستدركت قائلاً: تقصد تصوير كبار الضيوف فقط، وليس الجميع؟
ابتسم وقال: بالضبط.. كبار الضيوف، خصوصاً من تحمل سياراتهم أرقاماً مميزة!
أجبته بعد تفكير قصير: هي إحدى صور البحث عن الاعتراف الاجتماعي. فالإنسان، منذ القدم، كان حريصاً على إظهار مكانته، وإبراز علاقاته، وتأكيد موقعه داخل المجتمع.
الجديد فقط أن وسائل التواصل الاجتماعي نقلت هذه الممارسات من نطاقها المحدود إلى فضاء أوسع، فأصبح بالإمكان تحويل لحظة اجتماعية عابرة إلى مشهد مضخّم يراه الآلاف، ويُبنى عليه انطباع عن أصحاب المناسبة، مثل أنهم أصحاب مكانة اجتماعية رفيعة، أو علاقات واسعة، أو قدرة مالية كبيرة.
لهذا، أصبحت بعض التفاصيل تحمل رموزاً تتجاوز معناها المباشر. فالحرص على تصوير سيارة فارهة ذات رقم مميز، أو ضيف مرموق يشغل منصباً رفيعاً، أو فنان مشهور قادم من خارج البلاد، قد لا يكون الهدف منه التوثيق فقط، بل تمرير رسالة ضمنية عن المكانة والنفوذ والثروة.
ولو أردنا الإنصاف، فالتصوير في حد ذاته ليس مشكلة؛ فهو ممارسة اعتدنا عليها منذ سنوات طويلة، وكان هدفه تخليد اللحظات الفارقة في حياتنا. لكن المشكلة تبدأ عندما تتغير الغاية، وتنحرف الممارسة عن مسارها الطبيعي، فتتحول من توثيق اللحظة إلى صناعة صورة اجتماعية، تهتم بالانطباع أكثر من الحقيقة، وبما يراه الآخرون أكثر مما يُعاش فعلياً.
فالمناسبات الاجتماعية في أصلها مساحة للتواصل الإنساني، ومشاركة الأفراح والأحزان، وتقدير العلاقات، وليست ساحة لاستعراض المكانة.
في النهاية، هناك فرق بين إنسان يفرح لأن الناس حضروا من أجله محبةً واحتراماً، وآخر كل همه أن يثبت للناس أنه مهم ومعروف.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.