لصوص الثقة

كانوا سبعة.. يجلسون إلى طاولة واحدة كل صباح، يختلفون كثيراً، لكنهم يغادرون المكان وهم أكثر احتراماً لبعضهم. إذا أخطأ أحدهم وجد من ينصحه، وإذا نجح فرح له الآخرون، حتى ظن الجميع أن هذا الفريق سيبقى كما هو.

وبعد أشهر قليلة، لم يتغير المكان، ولم تتغير الوجوه، لكن شيئاً واحداً اختفى.

لم يعد أحد يتحدث بعفويته، وأصبحت الكلمات تُحسب قبل أن تُقال، والابتسامات فقدت دفأها، وكل واحد بات يتساءل: ماذا قيل عني بعد أن خرجت؟

لم يسرق أحد أموالهم.. بل سُرقت الثقة.

ومنذ ذلك اليوم أدركت أن أخطر اللصوص ليس من يسرق المال، وإنما من يسرق الطمأنينة بين الناس. يبدأ الأمر بكلمة، ثم بشائعة، ثم بسوء ظن، حتى يصبح أقرب الناس إلى قلبك موضع ريبة، ويغدو نجاح الآخر مصدر قلق لا مصدر فرح.

وحين تأملت قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ۝ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ۝ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾، توقفت عند هذا المشهد المهيب. فالإنسان لا يفر من أحب الناس إليه إلا تحت هول يعجز العقل عن تصوره. لقد جعل الله ذلك الفرار من علامات يوم القيامة، لأن ذلك اليوم يحمل من الخوف ما لا تحتمله النفوس.

لكن السؤال الذي يؤرقني: أي هولٍ يصنعه بعض البشر في الدنيا حتى يصبح الإنسان خائفاً من أخيه، متوجساً من زميله، حذراً من صديقه؟ أي بيئة تلك التي تجعل الناس يلتزمون الصمت لا حكمة، بل خوفاً، ويبتعدون عن بعضهم لا كرهاً، بل خشية؟

إن المؤسسات والأسر لا تبدأ بالانهيار عندما تختلف الآراء، وإنما عندما تضيع الثقة، فالاختلاف قد يولد حلولاً، أما الشك فلا يولّد إلا العزلة، ولا يصنع إلا أفراداً منشغلين بحماية أنفسهم بدلاً من خدمة رسالتهم.

ولهذا، فإن أعظم أمانة يحملها كل من اؤتمن على الناس ليست إدارة الأعمال، ولا إصدار القرارات، بل الحفاظ على القلوب من التفرق، وعلى النفوس من التباغض، وعلى الثقة من أن تمتد إليها يد العبث.

فالمال إذا سُرق أمكن تعويضه، أما الثقة إذا سُرقت، فقد تبقى الوجوه كما هي... لكن القلوب لا تعود كما كانت.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

الأكثر مشاركة