حين يُكافَأ الفشل

إذا استيقظت ذات صباح فوجدت اللصوص يتحدثون عن الأخلاق، والفاشلين يتباهون بالنجاح، والجهلاء يشرحون للعلماء أصول المعرفة، فلا تظن أنك مازلت في العالم الذي تعرفه. على الأرجح أنك دخلت «عالم بيزارو- Bizarro World».

ظهر هذا المصطلح للمرة الأولى في قصص «سوبرمان» التي نشرتها شركة «دي سي كومكس» في أواخر خمسينات القرن الـ20. ابتكر الكاتبان أوتو بندر وجورج باب شخصية «بيزارو»، وهي نسخة مشوهة ومعكوسة من سوبرمان، ثم انتقلت الشخصية إلى كوكب عجيب اسمه «هتراي» (Htrae)، أي كلمة Earth (الأرض) معكوسة، ولم يكن الكوكب كروياً مثل أرضنا، بل مكعباً.

في ذلك العالم تسود «شريعة بيزارو»: افعل عكس ما يفعله البشر. الجميل قبيح، والقبيح جميل. النجاح فضيحة، والفشل مدعاة للفخر. وإذا أتقنت عملاً على وجه الكمال فقد ترتكب جريمة تستحق العقاب، أما إذا أفسدته تماماً فربما تُمنح وساماً رسمياً.

هناك يبيع التجار سندات «مضمونة الخسارة»، فيتهافت الناس عليها. ويُعين أغبى رجل في المدينة رئيساً للشرطة لأنه «أكثر غباءً من جميع رجال الشرطة مجتمعين»، وهي مجاملة رفيعة المستوى في قاموس بيزارو. بل إن التحية نفسها تنقلب رأساً على عقب، فالإهانة مديح، والوداع ترحيب.

لكن الحقيقة المزعجة هي أن المرء لا يحتاج إلى السفر إلى كوكب مكعب حتى يرى عالم بيزارو. يكفي أن يشاهد الأخبار. ففي أيامنا هذه نرى من يكافحون من أجل الحقيقة يُتهمون بالتضليل، بينما يتحول صانعو الأكاذيب إلى نجوم شاشات. ونرى من يملكون أقل قدر من المعرفة يتحدثون بأكبر قدر من الثقة، وكأننا جميعاً حصلنا على تأشيرة إقامة دائمة في هتراي.

وللثقافة العربية نصيبها من هذا العالم المقلوب. فكتب الجاحظ مليئة بمفارقات تجعل الأحمق حكيماً والحكيم موضع سخرية. وفي «البخلاء» تتحول فضيلة الكرم إلى تهمة، ويصبح الإمساك بالدرهم بطولة تستحق الاحتفاء. أما في «كليلة ودمنة» فكثيراً ما نجد الثعلب معلماً للأخلاق، فيما يقع الأسد ضحية للغفلة.

وفي تراثنا الشعبي تظهر قرى الخيال التي تمشي فيها الأمور على غير هدى، ويُقال فيها عن الرجل الذي يبيع حماره ليشتري علفه إنه من أهل الحكمة والتدبير.

لعل سر جاذبية «عالم بيزارو» أنه ليس بعيداً عنا كما نظن، فهو مرآة مشروخة تعكس عالمنا بعد أن تديره 180 درجة.

وعندها يصبح السؤال الحقيقي: هل بيزارو عالم خيالي؟ أم أنه تقرير صحافي عن أحوال البشر؟

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة