أمهات «الماركات»
لا أدري أي زمن هذا الذي نعيشه، ولا أي منطق يمكن أن يفسر كيف تُترك طفولة غضة في بلاد غريبة، بينما تشد الرحال إلى باريس من أجل حقيبة فاخرة. قرأت الخبر أكثر من مرة، لا لأن التفاصيل معقدة، بل لأن العقل يأبى أن يصدق أن أماً وشقيقتها تسافران لاستلام حقيبة من ماركة عالمية، تاركتين أطفالاً أكبرهم لم يتجاوز السادسة مع عاملات منزليات، ثم يحدث ما هو أسوأ. العاملات يهربن، والأطفال يُعثر عليهم وحدهم خائفين وباكين في حديقة هايد بارك في لندن، لا يعرفون أين ذهب الكبار الذين يُفترض أنهم أمانهم الأول والأخير.
أي قلب يمكنه أن يهدأ وهو يعلم أن أبناءه في بلد آخر، مع أشخاص لا يعرف عنهم شيئاً سوى أنهن موظفات؟ أي أم تلك التي تطمئن إلى أن «كل شيء سيكون بخير»، بينما هي تتنقل بين متاجر الشانزليزيه؟ وكيف وصل بنا الحال إلى أن يصبح اقتناء حقيبة إيرميس أهم من احتضان طفل أو سماع ضحكته، أو حتى التأكد من أنه تناول غداءه!
الخبر ليس مجرد حادثة عابرة، بل مرآة لظاهرة تتسع يوماً بعد يوم: جيل جديد من «أمهات الماركات»، اللواتي تحولت الأمومة لديهن إلى نشاط جانبي، بينما تتصدر قوائمهن اليومية جولات التسوق، وصور «إنستغرام»، ومطاردة الإصدارات المحدودة من الحقائب والعطور. جيل يرى في الطفل إكسسواراً اجتماعياً، وفي الخادمة أماً بديلة.
لكن ماذا عن الطفل نفسه؟ ماذا عن خوفه وهو يبكي في حديقة عامة، لا يعرف وجهاً مألوفاً، ولا يسمع صوتاً يطمئنه؟ ماذا عن أثر هذه اللحظات على ذاكرته، وعلى ثقته بالعالم، وعلى إحساسه بالأمان؟ هل تستحق حقيبة - مهما بلغ ثمنها - أن تزرع في قلب طفل كل هذه الندوب؟ المؤلم أكثر أن السلطات البريطانية، بقوانينها الصارمة لحماية الطفل، لم تتردد في سحب الأطفال من الأسرة، رغم حضور الآباء وتدخل السفارة، لأن القانون هناك لا يساوم على سلامة الصغار. وهنا يبرز سؤال أكبر: لماذا نحتاج دائماً إلى صدمة خارجية حتى نعيد التفكير في أولوياتنا؟
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.