لا تخبر أمك

أحياناً لا نحلّ المشكلة، بل ننقلها.

نحمل همّاً يثقل صدورنا، فنذهب إلى أمنا أو أبينا، نحكيه كاملاً، ثم نغادر أخفّ مما جئنا. نظن أننا تخلصنا من العبء، بينما الحقيقة أننا نقلناه فقط من قلب إلى قلب.

لا أقول لكم ابتعدوا عن والديكم، ولا اخفوا عنهم ما يحتاج إلى نصيحة أو مساعدة أو تدخل. لكن هناك فرقاً بين من يطلب حلاً، ومن يبحث فقط عن مكان يضع فيه وجعه.

فالأم لا تسمع ثم تنسى، والأب لا يطمئن ثم ينام، أنت قد تنهي المكالمة وتكمل يومك، لكنهما يظلان يفكران فيك، ويبحثان عن مخرج لمشكلة قد لا يملكان لها مخرجاً أصلاً.

لهذا، البس أجمل ما عندك، تأنّق، وتعطّر، وخذ معك ابتسامة لا تشبه تعبك، ثم ادخل عليهما. ومن كان بعيداً عنهما، فلتكن مكالمة الفيديو، كذلك لا تجعل أول ما يصل إليهما منك هو الحزن، ولا تجعل زيارتك نشرة أسبوعية للهموم والخيبات.

وفي مكان ما من آسيا، كانت فتاة تدرس نهاراً، ثم تعمل في مطعم للوجبات السريعة حتى ما بعد منتصف الليل. تعود إلى غرفتها مرهقة، فلا تجد صديقة مستيقظة، ولا قريباً يسمعها، ولا أماً قريبة تسألها إن كانت بخير.

ففتحت برنامج الذكاء الاصطناعي «ChatGPT».

بدأ الأمر كسؤال عابر، ثم صار حديثاً يومياً، ثم أصبح الصديق الذي يسمع، ويشجع، ويستقبل خيباتها الصغيرة قبل أن تنام.

وحين قررت الشركة تعديل سلوكه، وتقليل المجاملة والطبطبة المبالغ فيها، شعرت هي وغيرُها أن شخصاً عزيزاً قد تغيّر فجأة. لم يبكوا على تحديث تقني، بل على شعور اعتادوا وجوده ثم اختفى.

وهنا تكمن الحكاية. لا تضع كل أوجاعك عند والديك فتتعبهما، ولا تضع كل مشاعرك عند برنامج فتربط قلبك بشيء قد يتغير بضغطة زر.

فليست الحكمة أن تجد من يسمعك دائماً، بل أن تعرف أين تضع ما يرهقك، ومتى، وعند من.

ستجد في الحياة ما يتعبك دائماً، لكن ليس كل وجع يحتاج أن يحمله غيرك. تعلّم أن تتجاوز، وأن تسند نفسك، فهذه أيضاً مهارة من مهارات الحياة.

قد ترتاح أنت بعد أن تتكلم.. لكن الوجع لا يختفي دائماً، أحياناً ينتقل فقط.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

الأكثر مشاركة