كفاكم عبثاً

إسماعيل الحمادي

أصبحنا نرى في الفترات الأخيرة، سلوكاً مختلفاً لبعض الناس في مجال التطوير العقاري، وهو خلق هالة إعلامية أو هالة نجاح للمشروع قبل اعتماده النهائي والحصول على التقارير والتصاريح النهائية لتنفيذه!

ما نشهده اليوم في بعض الحالات يدعو للقلق، حيث يبدو أن بعضهم قرر قلب معادلة التطوير العقاري المعتمدة بالكامل، التي تلزم المطور باعتماد المشروع قانونياً قبل تسويقه، فأصبح التسويق يسبق القانون، والإعلانات تسبق الوثائق.

حملات تسويقية ضخمة، إعلانات مدفوعة، محتوى متدفق عبر مختلف المنصات الرقمية، والأخطر من ذلك كله، وعوداً استثنائية بعوائد أو فرص لا تتكرر. لكن أساس المشروع غير مكتمل، الموافقات اللازمة لم تتم بعد، المخططات لم يتم اعتمادها نهائياً، المتطلبات التنظيمية لم يتم استيفاؤها بالكامل. المختصر: المشروع لم يتم بناؤه على أرضية قانونية وتنظيمية صلبة تضمن حقوق جميع الأطراف!

التسويق في مثل هذه الحالة يبيع انطباعاً مؤقتاً، ولا يستطيع أن يبني الثقة على المدى الطويل. المسؤولية لا تقع على المطور فقط، بل حتى على بعض الوسطاء العقاريين والمؤثرين وصناع المحتوى الذين يشاركون في الترويج لمثل هذه المشاريع، ومع اعتياد الأمر وانجراف عدد أكبر منهم نحو هذه الظاهرة، ستصبح سلوكاً عادياً وممارسة معتادة داخل السوق، وحينها تبدأ هذه الأخيرة في الابتعاد تدريجياً عن الأسس التي صنعت نجاحها، في حين أن القوانين تنص على منعها ومحاربتها.

رأس المال الحقيقي لسوق العقار، ليس الأبراج ولا المشاريع ولا حجم المبيعات، بل الثقة، فالثقة هي التي تدفع المستثمر لاتخاذ قرار الشراء، وهي التي تجذب رؤوس الأموال العالمية، وهي التي تجعل الأسواق أكثر قدرة على الصمود خلال الأزمات.

الحل لا يحتاج إلى تشريعات جديدة، لأنها موجودة فعلاً، إنما يحتاج إلى إعادة تفعيلها، والتزام أكبر بها مع تشديد الرقابة على التسويق المبكر غير المستند إلى متطلبات مكتملة، وتعزيز مسؤولية الوسطاء والمؤثرين تجاه المحتوى الذي يروجون له.

كواحد من الذين عايشوا نمو هذه السوق، أؤكد أن دبي لم تصل إلى ما وصلت إليه اليوم في مجال العقارات من الإعلانات، بل من قوة بيئتها التنظيمية، وقوانين حماية حقوق المستثمر، ووضوح الإجراءات، فكفاكم عبثاً بما حققته هذه الإمارة عبر سنوات طويلة من العمل والتشريع والتطوير المؤسسي.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

تويتر