إرث صنع وطناً (2)

*متخصص في الاتصال والإعلام

عمر عبدالله الشبلي

لا تمثل الواحات في الذاكرة الإماراتية مجرد بقعة من الماضي أو مشهداً شاعرياً تتعانق فيه النخيل والمياه والبيوت المتجاورة، بل تجسّد البدايات الأولى لتشكّل المجتمع، والمدرسة التي سبقت المؤسسات التعليمية، والبيئة التي أدرك فيها الإنسان أن بناء الحياة لا يعتمد على وفرة الموارد وحدها، وإنما على الوعي والتكافل والإيمان الراسخ بأن العلم هو نقطة الانطلاق نحو التغيير.

وقد حدثني والدي، رحمه الله، عبدالله علي الشبلي، وهو إمام ومعلم في مسجد المؤمنين في واحة المعترض، عن روح التراحم والتعاون التي سادت المجتمع آنذاك، واستمرت آثارها إلى يومنا هذا، حيث كانت الأسر تتساند، ويشعر كل بيت بمسؤوليته تجاه الآخرين. كما روى لي قصص من تعلموا القراءة والكتابة على يديه في ستينات القرن الماضي، وكيف أصبح كثير منهم من المساهمين في مسيرة التنمية والبناء إلى جانب القيادة، حتى وصلت الإمارات إلى ما تنعم به اليوم من استقرار وازدهار.

ولا تمثل هذه الرواية مجرد ذكرى عابرة، بل شهادة حية على مجتمع آمن بقيمة العلم قبل انتشار المدارس الحديثة، وآمن بالنهضة قبل أن تتجسد في العمران والمؤسسات. فالذين بدأوا رحلتهم في الكتاتيب ومجالس الواحات البسيطة لم يتوقفوا عند تلك البدايات، بل واصلوا طريقهم نحو أرقى الجامعات، وأسهموا في بناء الوطن ومؤسساته، وكان ذلك ثمرة قناعة راسخة بأن التعليم ليس خياراً إضافياً، بل أساس المستقبل.

وتكمن أهمية تلك المرحلة في الكيفية التي واجه بها الناس تحديات الحياة، لا في صعوبتها وحدها. فلم يستسلموا للظروف، ولم ينتظروا أن تأتيهم المعرفة جاهزة، بل سعوا إليها بما امتلكوه من عزيمة وإيمان وتكاتف. ومن هنا يتضح أن النهضة الإماراتية بدأت من الإنسان قبل المبنى، ومن الأسرة قبل المؤسسة، ومن مجتمع جعل التعاون والتكافل منهجاً للحياة.

وعندما نتأمل ما حققته الإمارات اليوم في مجالات التعليم والتنمية والاستقرار، فإننا نرى امتداداً طبيعياً لتلك البدايات الأولى، فالجامعة هي امتداد للكتّاب، والمؤسسات الحديثة امتداد للمجالس، وقيم التسامح والتعايش التي نفخر بها اليوم هي استمرار لذلك الإرث الاجتماعي الذي نظر إلى الآخر بوصفه شريكاً في الحياة وجزءاً من المجتمع.

ومن قلب الواحات خرجت الأسرة الإماراتية حاملة رسالة تتجاوز حدود المنزل؛ رسالة تؤمن بأن التربية أساس بناء الوطن، وأن العلم استثمار في المستقبل، وأن الخير الذي يُغرس في الجذور يمتد أثره عبر الأجيال.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر