إرث صنع وطناً (1)

لا تمثل الواحات في الذاكرة الإماراتية مجرد بقعة من الماضي أو مشهداً شاعرياً تتعانق فيه النخيل والمياه والبيوت المتجاورة، بل تجسد البدايات الأولى لتشكّل المجتمع، والمدرسة التي سبقت المؤسسات التعليمية، والبيئة التي أدرك فيها الإنسان أن بناء الحياة لا يعتمد على وفرة الموارد وحدها، وإنما على الوعي والتكافل والإيمان الراسخ بأن العلم هو نقطة الانطلاق نحو التغيير.

قبل قيام الاتحاد لم تقتصر الكتاتيب على كونها أماكن لتعليم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم، بل كانت نواة حقيقية لصناعة الإنسان، فمن خلالها انفتحت آفاق المعرفة، وترسخت قيم الانضباط، وتكوّنت اللبنات الأولى لنهضة المجتمع. وفي ظل الإمكانات المحدودة وبساطة الحياة، نما إدراك عميق بأن المستقبل يصنعه من يؤمن بقيمة العلم ويثابر في طلبه لا من يملك أسباب الرفاهية وحدها.

وكانت الأسرة شريكاً أساسياً في هذا الوعي، بل ركيزته الأهم، فالبيت لم يكن مجرد مكان للسكن، وإنما مدرسة للقيم والتربية.. يعمل الأب ويوجه، وتغرس الأم معاني الصبر والرضا، وينقل الكبار خبراتهم وحكمتهم، بينما يتعلم الصغار من تفاصيل الحياة اليومية قبل أن يتعلموا من الكتب. وهكذا أسهم كل فرد بدوره في ترسيخ مفهوم الحياة الكريمة والمسؤولية المشتركة وتعزيز الانتماء الاجتماعي والوطني.

وفي الواحة تعلّم الناس أن الإنسان لا يعيش بمعزل عن الآخرين، فالجار جزء من النسيج الاجتماعي، والمحتاج مسؤولية جماعية، والمشكلات لا تُترك لصاحبها وحده. ومن واقع الممارسة اليومية تشكلت قيم التسامح والكرم والتعاون والتضحية، لا بوصفها شعارات تُردد، بل سلوكاً يُمارس في المجالس والأفلاج والبيوت، وفي العلاقات التي جمعت الناس ببعضهم بعضاً.

لذلك فإن استحضار تجربة الواحات لا يعني التوقف عند الماضي، بل العودة إلى الجذور التي أسست الحاضر، فالمجتمع الذي اعتاد أفراده الوقوف إلى جانب بعضهم بعضاً، وتعاونت فيه الأسر على مواجهة التحديات، كان يرسخ مبكراً مفهوماً عميقاً للدولة قبل اكتمال مؤسساتها الحديثة. وعندما جاء الاتحاد، وجد مجتمعاً مهيأً للبناء، متشبثاً بقيمه، ومدركاً أن نهضة الوطن مسؤولية مشتركة بين القيادة وأبنائه.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها

الأكثر مشاركة