كيف تَغيّر سلوكنا على المنصات؟
المتابع الجيد لمواقع التواصل الاجتماعي يلحظ أنماطاً جديدة في سلوك المستخدمين خلال السنوات الأخيرة، فقبل نحو عقدٍ من الزمن كان كثيرون يندفعون إلى توثيق كل تفاصيل حياتهم اليومية، بلا استثناء تقريباً.
لم تكن هناك لحظة عابرة إلا وتحولت إلى مادة للنشر، سواء كانت طعاماً بسيطاً أو مشهداً من نافذة سيارة أو جلسة عادية مع الأصدقاء. وكان الهوس بالتوثيق يطغى في معظم الأحيان على الإحساس بالتجربة نفسها.
اليوم، تبدو الصورة مختلفة إلى حدٍّ ما، لأن الكثير من المستخدمين أصبحوا أكثر انتقائية في ما يشاركونه، وأكثر حرصاً على مساحتهم الخاصة، ولم يعد النشر تلقائياً كما كان، بل بات مرتبطاً بوعيٍ أكبر بما يستحق النشر، وما يُفضَّل الاحتفاظ به داخل الدائرة الشخصية.
هذا التحول، في مجمله، يعكس نضجاً تدريجياً في التعامل مع الفضاء الرقمي، وإدراكاً متزايداً بأن للخصوصية قيمة عالية، ليس من الذكاء التنازل عنها.
المشكلة الآن ليست في هذا التحول الصحي، بل في تلك الفئة التي ارتبط وجودها بفوضى النشر وكثافة الظهور، فبعض أنماط الشهرة الرقمية قامت أساساً على الإفراط في الاستعراض، وأي تراجع في هذا السلوك يهدد حضورها وتأثيرها. لذلك، تبدو هذه الفئة أكثر حساسية تجاه أي تغير في ذائقة الجمهور، وأقل تقبّلاً لفكرة أن الوعي العام قد بدأ يتغير.
في هذا السياق، تبرز مؤشرات لافتة في اقتصاد المحتوى نفسه، إذ تشير الأرقام المتداولة إلى تراجع لافت في أسعار الإعلانات عبر المنصات، وبات كثير من المؤثرين عاجزين عن الحفاظ على مستويات العائدات المالية ذاتها التي حققوها قبل سنوات، ويعود ذلك، في جانب منه، إلى تغيّر سلوك المتلقي، الذي أصبح أكثر وعياً وانتقائية، وأقل قابلية للانسياق السريع وراء الترويج المباشر.
هذا التحول، رغم ما قد يثيره من قلق لدى بعض صنّاع المحتوى، يشير في جوهره إلى نضج أكبر في العلاقة مع الإعلام الرقمي، لأن جمهوراً أكثر وعياً يعني تأثيراً أقل للضجيج، ومساحة أكبر للمحتوى الحقيقي، وهي خطوة، وإن جاءت متأخرة قليلاً، إلا أنها تخدم المشهد الاجتماعي والإعلامي بشكلٍ كبير.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.