فن البهجة في الأدب العالمي

* باحث زائر في جامعة هارفارد

د. كمال عبدالملك*

قلّما عرف الأدب الإنساني موضوعاً أكثر حضوراً من الاحتفاء بالحياة نفسها: الطعام، الحب، الموسيقى، الجمال، الصحبة، البحر، واللحظات العابرة التي يشعر فيها الإنسان بأنه حي حقاً. يسمّي الفرنسيون ذلك joie de vivre، أي «فرح الحياة»، بينما يطلق الإيطاليون عليه la dolce vita، أي «حلاوة العيش»، لكنّ كل حضارة عبّرت عن هذه الفكرة بطريقتها الخاصة.

في الأدب اليوناني القديم ارتبطت البهجة بجمال الجسد والاحتفال بالحاضر. أما الرومان، مثل هوراس، فدعوا الإنسان إلى اغتنام يومه قبل أن يداهمه الموت. وفي الشعر العربي تحوّلت الخمر والحبيبة والحديقة والليل إلى رموز متكررة للأنس.

ولعلّ الأدب العربي من أكثر الآداب ثراءً في تصوير مباهج الحياة. ففي العصر العباسي، خصوصاً في بغداد والأندلس، أصبح التمتّع بالحياة فناً كاملاً. احتفى أبونواس بالموسيقى والجمال والتحرر من التزمّت، بينما امتلأت القصائد الأندلسية بصور النافورات والبساتين والعطور والحرير. ولم تكن هذه البهجة مجرد ترف، بل بدت أحياناً مقاومة للحزن والموت وتقلبات الزمن.

لكن اختزال «فرح الحياة» في اللذة وحدها يظلّ تبسيطاً ناقصاً. فالأدب العظيم غالباً ما يمنح المتعة بُعداً روحياً أو فلسفياً. ويتجلّى ذلك بوضوح في الأدب الصوفي، حيث يتحدث جلال الدين الرومي وابن الفارض بلغة العشق، لكن المقصود كثيراً ما يكون الشوق إلى المطلق، هنا لا يختفي الجسد، بل يتحول إلى رمز يتجاوز نفسه.

ويظهر هذا المعنى أيضاً في آداب أخرى. ففي الرواية الروسية، لدى تولستوي وتشيخوف، قد تنبع السعادة من الرحمة أو الصفاء الأخلاقي أو لحظات التفاهم الإنساني العابرة، لا من الثروة. أما الأدب الياباني، فيجد الجمال في هشاشة الحياة نفسها: زهرة كرز تتساقط، أو مطر مسائي، أو شعور خافت بزوال الأشياء.

وفي الأدب الأميركي الحديث تبدو العلاقة مع المتعة أكثر التباساً. فقد احتفى إرنست همنغواي بالسفر والحب، لكن القلق والموت بقيا كامنين تحت السطح. بينما كشف ف. سكوت فيتزجيرالد، في The Great Gatsby، الفراغ الروحي الذي قد يختبئ خلف البذخ والاستعراض.

وهكذا يظل الأدب العالمي يطرح السؤال نفسه: هل تكفي اللذة الحسية وحدها؟

وربما كانت الإجابة الأعمق أن الفرح الحقيقي لا يسكن الجسد وحده ولا الروح وحدها، بل يولد من اتحادهما معاً: في ضحكة صديق، أو رائحة ياسمين، أو بيت شعر، أو لحظة يشعر فيها الإنسان بأن الحياة، رغم كل شيء، لاتزال تستحق أن تُعاش.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر