العيد.. أسرة
الأسرة هي الخلية الأولى في جسد المجتمع، فإن صلحت صلح الجسد كله، وإن تصدّعت انهار البنيان من قواعده، لذلك كانت الأسرة ولاتزال خط الدفاع الأول عن تماسك المجتمع واستقراره، فهي الحضن الذي يتشكل فيه الإنسان قيماً وأخلاقاً، وهي الحصن الذي يعود إليه حين تثقل عليه الدنيا بهمومها.
في العيد تتجلى هذه الحقيقة بأبهى صورها، فعيد الأضحى ليس مجرد أيام معدودة من الفرح والذبائح، بل هو موسم سنوي متجدد يعيد شحن القلوب بمعاني القرب والوصل، يجتمع فيه الأبناء حول الأب والأم، ويلتقي الإخوة بعد انشغال، ويتبادل الأرحام الزيارة والتهنئة، فتذوب الخلافات، وتتسع الصدور للتسامح والمحبة، كأن العيد يقول لكل بيت: عد إلى أصلك، عد إلى لمّتك، فهنا قوتك وهنا سكينتك.
وقد جعل الله سبحانه الأسرة أساساً للعمران الإنساني، فقال في محكم تنزيله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]، فالسكن والمودة والرحمة هي أعمدة أسرة سعيدة، ومنها يخرج جيل متماسك قادر على حمل أمانة الوطن، وأكد النبي ﷺ هذه القيمة بقوله: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، فجعل مسؤولية بناء الإنسان تبدأ من البيت قبل المدرسة والشارع والمؤسسة.
ولقد أدركت القيادة الرشيدة في دولة الإمارات أن قوة الوطن من قوة الأسرة، فالأسرة هي نواة المجتمع، والاستثمار الحقيقي في الإنسان يبدأ من تمكين الأسرة وتماسكها، لأنها صمام أمان القيم والهوية والانتماء، والترابط الأسري هو السياج المنيع أمام موجات التفكك والاغتراب التي قد تصيب المجتمعات في زمن السرعة والانفتاح الرقمي.
العيد إذاً مناسبة تربوية قبل أن تكون احتفالية، هو تذكير عملي بأن التلاحم يبدأ في حضن الأسرة، وكم من إنسان ضاع حين ابتعد عن حصن أسرته وحضنها الدافئ، فالبعد عن الأهل يورث القسوة، ويفتح الباب للوحدة القاتلة، ويجعل الإنسان فريسة للفراغ أو لأفكار لا تشبهه ولا تشبه قيم مجتمعه، أما من بقي قريباً من أهله، يستمع لنصح أبيه، ويستأنس بحنان أمه، ويتشاور مع إخوته، فإنه يجد فيهم البوصلة التي تعيده إلى الطريق كلما مال.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.