متلازمة الرقيب
في مقال سابق، تحدّثنا عن «متلازمة الرادار»، وكيف يلجأ المصاب بها إلى تجاوز القانون ما لم تقف أمامه تلك العدسة التي تترصّده وتراقب سلوكه، لكن هذا النمط لا يقتصر على الطرقات، بل يمتد أحياناً إلى بيئات العمل، فيظهر ما أسميه «متلازمة الرقيب»، ذلك الشخص الذي لا يعمل بدافع داخلي، بل ينتظر دائماً عيناً تراقبه، ومسؤولاً يتابعه، وتقييماً يدفعه للتحرك مؤقتاً، بعيداً عن رقابة الضمير.
هذا النموذج من الموظفين لا يقيس العمل بالإنتاج، بل بالحضور الشكلي، يُكثر من الاستراحات ويعتبرها «حقاً مكتسباً» أو حافزاً للاستمرار، وقد تمتد ساعات طويلة من يومه، يترك بعض الأغراض على مكتبه ليمنح انطباعاً بأنه حاضر ومنشغل، ويتنقل بسرعة بين المكاتب والممرات ليبدو كأنه غارق في المهام، بينما الواقع مختلف تماماً. ساعات طويلة تُستهلك في أعمال قد لا تحتاج سوى دقائق معدودة.
وحين يكون المسؤول قريباً، يتحول فجأة إلى موظف مثالي. نشاط ظاهر، وحركة مستمرة، وتفاعل مبالغ فيه. وفي الاجتماعات يكون أكثر المتحدثين والمتدخلين، يُجيد التنظير وتقديم الملاحظات عن الآخرين، بينما يكون إسهامه الفعلي في الإنجاز محدوداً أو شبه معدوم، فهو يتقن صناعة الصورة أكثر من صناعة العمل نفسه.
لكن بمجرد مغادرة المسؤول، يعود كل شيء إلى طبيعته القديمة، فتتباطأ الوتيرة وتتراجع الدوافع، ويختفي ذلك النشاط المفاجئ، والأسوأ أن هذا السلوك يتكرّر بصورة أوضح مع اقتراب مواسم التقييم والترقيات، وكأن الإنجاز موسم مؤقت أو حملة علاقات عامة سنوية، لا التزام مهني مستمر.
المشكلة الحقيقية في «متلازمة الرقيب» أنها لا تضر المؤسسة فقط، بل تستهلك فرق العمل من الداخل، فهي تخلق بيئة غير عادلة، يشعر فيها المجتهد أن جهده يضيع وسط الضجيج والاستعراض، بينما يحصل صاحب المظاهر على الاهتمام نفسه أو أكثر. ومع الوقت قد يفقد الفريق روحه، حين تصبح الصورة أهم من النتيجة، والحركة أهم من الإنجاز.
العمل الحقيقي لا يحتاج إلى رقيب دائم، لأن الاحتراف يبدأ من الضمير والاحترافية المهنية. الموظف الناجح هو من يعمل سواء وُجد المسؤول أم لم يوجد، لأنه يُدرك أن قيمة الإنسان تظهر في ما يُقدّمه، لا في ما يدّعيه. المؤسسات لا تنهض بالمراقبة وحدها، بل بثقافة المسؤولية الذاتية، وبأشخاص يؤمنون بأن أداء الأمانة لا يرتبط بوجود الكاميرا أو المدير أو موعد التقييم.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.