حين يعود الأدب حياً بالصوت والصورة

* باحث زائر في جامعة هارفارد

د. كمال عبدالملك*

يكثر الحديث اليوم عن «أزمة القراءة» وتراجع الاهتمام بالأدب الإنساني الكلاسيكي، لكن تجربة أستاذ الأدب الأميركي والمقارن، أرنولد واينستين، تكشف أن المشكلة ليست في الأدب نفسه، بل في الطريقة التي نُقدِّمه بها إلى الناس. فمن خلال سلسلته الصوتية والمرئية الشهيرة Classics of American Literature، استطاع واينستين أن يُعيد الحياة إلى النصوص الأدبية الكبرى، ويُحوّل الرواية والشعر من مادة أكاديمية جافة إلى تجربة إنسانية حية.

خلال تسعينات القرن الماضي، كان واينستين زميلي في جامعة براون في الولايات المتحدة. وقد كان واحداً من أكثر الأساتذة إلهاماً وتميزاً في قاعة المحاضرات، واسع الثقافة، عميق المعرفة، ولهذا لم يكن يتعامل مع الروايات الكبرى كنصوص محفوظة للتحليل، بل كعوالم حية تكشف الخوف والرغبة والحب والعزلة، والهشاشة البشرية. وكان يؤمن بأن الأدب يمنحنا ما لا تستطيع أي وسيلة أخرى أن تمنحه: الدخول إلى أعماق النفس الإنسانية، وفهم تناقضاتها.

وما يميز محاضراته ليس المعلومات النقدية وحدها، بل حرارة الأداء الإنساني، فعندما تستمع إليه، لا تشعر بأنك أمام أستاذ جامعي يشرح كتاباً، بل أمام قارئ عاش داخل هذه الأعمال عشرات السنين، ثم عاد ليحكي كيف غيّرته. ومن هنا استطاع أن يُقرّب أعمالاً معقدة، مثل دوستويفسكي وفولكنر وميلفيل ومارك توين إلى جمهور واسع من المستمعين والمشاهدين، داخل الولايات المتحدة وخارجها.

كما تكشف تجربة واينستين عن أهمية الوسائط الحديثة في نشر الثقافة الإنسانية. فالصوت والصورة والإنترنت لم تعد مجرد أدوات ترفيه، بل أصبحت وسائل قادرة على نقل المعرفة الرفيعة إلى ملايين الناس خارج أسوار الجامعات، وربما لهذا السبب تجاوز جمهوره طلاب جامعة براون ليصل إلى مستمعين ومشاهدين من مختلف الأعمار والثقافات.

ومن المؤسف أننا لا نزال في العالم العربي نفتقر إلى مشروع مماثل يُقدّم «كلاسيكيات الأدب العربي» بالصوت والصورة. فأين السلاسل المرئية التي تُعرّف الجمهور بالمتنبي والمعري والجاحظ، وألف ليلة وليلة، وطه حسين، ونجيب محفوظ، والسياب، وأدب الأندلس، والأدب الإماراتي والشعر النبطي بالحيوية والشغف نفسهما؟

إن تراثنا الأدبي لا يقل ثراء عن أي تراث عالمي، لكنه لا يزال حبيس الكتب الجامعية الثقيلة واللغة الأكاديمية المغلقة. لقد فهم أرنولد واينستين حقيقة بسيطة وعميقة: الكتب العظيمة لا تموت، لكنها تحتاج دائماً إلى من يُعيد إليها الصوت، وربما كانت هذه هي مهمتنا الثقافية الكبرى اليوم.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر